أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أبـنـاؤنا وموروثهـم الشعـبـي..

مـيّـاء الصَّـوّافِـيَّـة

 

أبـنـاؤنا وموروثهـم الشعـبـي..

 

لطالما استهواني أي فعل يعود بجذوره إلى الموروث العماني؛ فحين يُذكَر مَثَلٌ شعبيٌّ، فإني أعيش معه لمحة زائرة تحتضن أصالتها أرضُ حاضري، وكأني أستظل حينها بروح الماضي، وإن كانت لحظة مؤقتة، لكنها بالنسبة لي استحضار للجمال الروحي القابع في نفسي، حينها أسرح بخيالي إلى ذلك الدفء حيث تربية الأسلاف الذي توارثناها جيل بعد جيل وقوّت عزائمنا وهذّبت شيئا من تربيتنا.

ّإن العودة للماضي، وإحياء ذلك الإرث يظهر كمشهد مُصوَّر تستيقظ معه النفوس حينهاوهي منبهرة به، ومنجذبة إليه، وإن كان هذا الإحياء في وقت محدد، وذلك في مناسبات الأعياد الدينية، أو الوطنية واحتفالات مدارسنا، وإنه ليظهر لنا كذلك في الإضاءات المنيرة المشوقة – إن طُبِّقًتْ عمليا – في بعض الدروس التعليمية التي صيغت أهدافها على إحياء هذا الموروث محاولة منهم ربط التلميذ بماضيه العريق، وإرثه السامي.

وكم يفرحني حين يتجمّل الأبناء بارتداء الأزياء الوطنية العمانية التي صيغت لهم ما بين موروث قومي قديم، وحاضر يحث الخطى إلى كل ما هو جديد، وكم أكون أشد فرحا عندما يسألون عن معنى الأمثال، وإلى ماذا ترمي إليه؟!
ولكني أرى بأن الارتباط بالموروث الشعبي باتت ملامحه في الاختفاء، وكأنه يعلن شمس غروبه، ولحظات وداعه، ويُنظر إليه على أنه عالم من العوالم المندثرة، وإن بدأ في بعض مسارح الحياة الآن كأنه إحياء له لكنه في تمثيل ظهوره ليس كما هو في حقيقته، وعلى نمطه المعروف، وعلى عهوده الذهبية المعروفة، وإطلالته البهية المهيبة التي يسري معها شيء من العبق الأصيل في أرواحنا؛ فيشعرنا بعزة وطنية لها طابعها الخاص.

إن من الخوف أن يكون هذا الارتباط واهنا ضعيفا متراخيا يظهر في صورته الشكلية دون مفهومه الروحي المتعمق بالهوية الوطنية، والسمة البارزة لمفهوم الوطن وأصالته.

وإنه من المؤسف لنا أن تكون هناك عقول تعتبر هذا الموروث الشعبي بأنواعه الثقافي والاجتماعي و… نوعا من الرجعية، ويعتبر في وعيها انتكاسة عن السير إلى الأمام، ونوع من الجمود الفكري الذي يعرقل فكر الإنسان في مسايرة ركب التطور، وإن إناخة فكرنا حوله، ومحاولة تسهيل مجاري منابعه نوع من الركود والرجعية؛ فالمعاصرة في نظرهم هو الانسلاخ عن قيم الموروث الأصيل، والانغماس في كل فكرة غربية، أو في أفكار أصيلة في ظاهرها موبؤة المعنى في حقيقة أصلها.

إن الأحرى ببلد زاخر بموروث قومي عظيم سواء أكان ثقافيا أم اجتماعيا أن يخصص منهجا معدا مدروسا يُعلم الناشئة فيه كل مكتسبات الأصول الثقافية والاجتماعية لأوطانهم، وأن تُغذى هذه المناهج بروح عملية ممارسة ومجازة بعدة مقاييس معدة تقيم مدى الفهم العقلي والعملي الممارس.

من ضمن الموروثات التقليدية الشعبية الذي ينذر بالاختفاء وأصبح أبناؤنا لا يعون شيئا منه هو علاقتهم بالنخلة ذلك الجذر الأصيل المرتبط بحياة الإنسان العماني القديم؛ فأصبح الأبناء لا يعرفون مسميات النخيل، ولا طرق العناية بها، وأصبح الاعتماد الكلي على الأيدي العاملة الوافدة إلينا؛ فمنذ بداية النهضة المباركة لمؤسسها المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد (طيب الله ثراه)، وعلى الرغم من أنها رمز العروبة، وتتداخل مع قيم هويتنا، وأجدر لو تدرج عنها مادة دراسية، إنه من الصحيح أن هناك من يتعلمها في بعض الكليات من التعليم العالي ، ولكن هذا التخصص ليس من ضمن التعليم الأساسي.
لماذا لا يشارك الأبناء في القيام ببعض الموروثات الشعبية كتعويد الأبناء الذكور فيما يخصهم من موروثات، والإناث بما يخصهن كذلك، حتى الوجبات الغذائية أصبحت فتياتنا لا يعرفن شيئا عنها، وباتت هذه الوجبات العمانية الشعبية كأنها شيء نادر، ويخجل من أن يمارس، أو حتى يؤكل مقارنة بالأكلات القادمة إلينا من شعوب أخرى.

إن بناء المجتمعات يكون بركائزه الأساسية… فقط علينا تجديدها وتطويرها بما يتماشى مع التطور السريع والمتسارع، ومع متطلبات العصر.

كذلك إرث الآداب الاجتماعية والأدبية لم يبق منه إلا بذرة واحدة، وإن لم نسقها فإنها – لا ريب – ستندثر كعادات استقبال الضيوف في المجالس العامة، وآداب تقديم القهوة، وممارسات الأعياد، وكذلك الإرث الأدبي كالأمثال والقصص الشعبية أيضا هي على وشك الاندثار؛ فعندما كنا صغارا كنا نستمع إلى الكم الهائل من الأمثال الشعبية التي أضافت لأخلاقنا، وآدابنا الكثير من السلوكيات الحسنة، وعلمتنا شيئا من التعامل مع الحياة، ولكن ملاحظتي بأن أبناءنا أصبحوا لا يدركونها، وإن سمعوا بها يستهجنوها، ولا يعوا مقاصدها؛ فأغلب الأبناء متجهين إلى الموروث الغربي، والقيم الغربية غير مدركين بأن موروثنا نابع من أخلاق العرب الكريمة التي أقر الإسلام الكثير منها، وغذاها بتربيته المحمدية.

وعلى هذا أحرى بالأسرة العمانية أن تربي أبناءها على الموروث العماني الأصيل، وألا يغفل عنه في المناهج الدراسية نظريا وعمليا، وأن تكون ممارسته ينظر إليها كتقييم؛ فأبناء اليوم آباء الغد، وكل جيل ينقل سطور علمه للجيل الذي رباه، وعلينا الحفاظ على هويتنا العمانية بالمحافظة على هذا الموروث الذي هذّبه الدين، وأنتجته مكارم عروبتنا الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى