أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أبـي الـعـزيـز..

يحيى بن حمد الناعبي

 

أبـي الـعـزيـز..

 

منذ نعومة أظفارنا عهدناك أبا حنونا محبا للخير لنا ولجميع الجيران والأصحاب والأحباب، لاتحمل في قلبك الطيب سوى الخير لكل من تعامل معك، تتعامل معهم بأخلاقك وليس بأخلاقهم.

تغربت كثيرا عن بلدتك وبيتك وأبنائك متنقلا بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين لتأمين لقمة العيش الكريم لأبنائك، وقد ساعدت الكثير من أبناء بلدتك صياء في الحصول على وظيفة في تلك البلدان التي عملت بها نظرا لأخلاقك العالية ومكانتك الغالية بينهم، حتى أن أحد أصحاب العمل في مملكة البحرين عرض عليك إحضار أسرتك والإقامة الدائمة في البحرين ولكنك رفضت ذلك العرض وآثرت الرجوع إلى سلطنة عمان وطنك الغالي عليك لكي تخدمها حسب إمكاناتك، فتنقلت عاملا في أماكن كثيرة في مدينة الإعلام وبيت الفلج ومحطة الأقمار الصناعية في العامرات ومعسكر المرتفعة بصحبة نخبة من أبناء صياء وعرقي وجحلوت والحاجر والعامرات.

تذهبون معاً منذ الصباح الباكر مع العم سعيد المبسلي في تلك الحافلة التي تنقلكم من بلدانكم إلى معسكر المرتفعة متحملين مشقة البعد والمسافة الكبيرة في حينها وكذلك الشارع الترابي بين صياء وجحلوت حيث يتطاير التراب عليكم من نوافذ تلك الحافلة الميمونة التي تنقلكم إلى مقر عملكم وأنتم تتبادلون أطراف الحديث والحكايات الجميلة فيما بينكم وتتعالى الضحكات وتعلو البسمات محياكم ووجوهكم النيرة وقلوبكم الصافية والتي لاتحمل حقدا على أحد فكنتم كأسرة واحدة ومن بيت واحد، يجمعكم عمل واحد ومكان واحد، تتشاركون سويا بكل تفان وإخلاص في خدمة وطنكم الغالي عمان الحبيبة على قلب كل عماني أصيل.

وعندما أزورك في بيتك تحكي لي هذه الحكايات الجميلة مستذكرا تلك الأيام الجميلة التي خدمت فيها وطنك ولم تكن متأففا في يوم من الأيام، تحكيها لي بكل براءة وبكل سعادة فأقارن بين تلك الأيام الصعبة التي مروا بها وبين أيامنا الحالية ونحن في سعة من العيش ورغد الحياة حيث تتوفر كافة مصادر العيش الكريم ووسائل المواصلات والاتصالات المريحة، ففي إحدى سنوات عمل أبي الغالي في محطة الأقمار الصناعية بالعامرات، وفي صبيحة يوم العيد لم يجد سيارة تنقله إلى صياء لقضاء يوم العيد السعيد بين أسرته وأبنائه فأخذ بندقيته وذهب ماشيا من العامرات إلى صياء متحملا مشاق السفر وصعوبة الطريق ومخاطرها حيث أنه توجد الذئاب والضباع والكثير من الحيوانات المفترسة في ذلك الوقت.

أبي العزيز لقد كابدت وكافحت كثيرا من أجلنا وقضيت سنوات عمرك الطويلة لخدمتنا وتربيتنا، فكنت حقا الأب الحنون والمربي الفاضل، فكنت تجوع لكي نشبع وتسهر لننعم بحياة كريمة.

أبي الغالي لم أكن أدري بأن زيارتي الأخيرة لك في بيت أخي العزيز عبدالله ستكون الأخيرة في هذه الحياة، وأنها لحظة وداع وفراق للأبد، فعندما طلبت مني أن آخذك إلى المستشفى السلطاني، كنت في كامل وعيك وقد أديت صلاتي المغرب والعشاء جمعا قبل خروجك من منزل أخي وذهبنا سويا إلى منزل أختي الغالية أم أحمد المجاور لبيت أخي عبدالله وودعناهم سويا ذاهبين إلى المستشفى السلطاني.

وفي الطريق تبادلنا أطراف الحديث الشائق، وكنت تسأل عن الجميع، وتسأل كعادتك عن ابني العزيز (عبدالعزيز) هل سافر للدراسة أم لا فأخبرتك بأنه يسافر يوم الأحد القادم فكنت تدعو له بالخير والتوفيق في دراسته.

وعند وصولنا إلى قسم الطوارئ بالمستشفى تبين بأنك مصاب بالكورونا وأيضاً تحتاج إلى عملية قسطرة في القلب وبعد مشورة أخي العزيز وأخواتي العزيزات وقعت بالموافقة على تلك العملية والتي كللت بالنجاح كما أخبرني بها اثنان من الأطباء العمانيين والذين كانوا ضمن الطاقم الطبي الذي أجرى العملية، وبعدها تم إدخالك إلى العناية الفائقة.

فقد قضيت فيها أحد عشر يوما فاقدا للوعي تحت رحمة الله تعالى ثم تلك الأجهزة من تنفس صناعي وتحكم بالضغط ثم غسيل الكلى وغيرها، وكان الأطباء يخبروننا بحالتك مابين الحرجة والأقل خطورة، فنفرح أحياناً وتعتصر قلوبنا ألما أحياناً كثيرة ولم يسمح لنا بالدخول إلا قبل وفاته بأربعة أيام حيث تمكنت فيها أختي الكريمة أم أحمد بعد عناء شديد من الدخول وكذلك كان نصيبي من الدخول قبل يومين من وفاته.

وبالرغم من حالته الحرجة إلا أنه كان يحدونا الأمل بأن يخرج سليما معافى، لكي نمتع ناظرينا برؤيته والجلوس بجانبه وتقبيل جبينه ويديه، إلا أن الإرادة الإلهية قضت بأن يختاره الله تعالى في جواره وإلى مستقر رحمته، حيث تلقيت اتصالا من العناية الفائقة في يوم الاثنين وفي ليلة السابع والعشرين من رجب ١٤٤٣ هجري الموافق له ٢٨/ ٢/ ٢٠٢٢ م يفيد بذلك فكان خبرا صادما لي ولم اتحمله فأجهشت بالبكاء وأخبرت أخي بهذا الخبر المحزن والذي كان صادما لجميع أفراد الأسرة ولمن كان يحمل ودا وحبا لوالدنا الغالي.

أبي العزيز لا نقول إلا مايرضي ربنا سبحانه وتعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون) وعزاؤنا فيك بأنك خرجت من هذه الدنيا الفانية ولم تنكد أحدا بالرغم من منغصات الحياة والابتلاء بالمرض ولعلها تكون بإذن الله تعالى تطهيرا لأي ذنب وسببا في دخولك جنات النعيم برحمة الرحمن الرحيم.

‫2 تعليقات

  1. البقاء في حياتكم أخي الكريم، علما أنني سبق وان قرأت هذه المقالة ورجعت اليوم فجراً لأقرأها. هذه اجمل وأسمى طريقة توجه فيها كلام لأبيك. بارك الله فيك.

  2. يحسن الله عزائكم اخى يحيى ويتغمد روحه الجنه ويجعل قبره روضة من رياض الجنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى