أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أتـصـدّق بـإرادتـي..

شـيـخـة المـحـروقـيـة

 

أتـصـدّق بـإرادتـي..

 

مثلُ الصدقة كمثل حبة تنبت سبع سنابل؛ في كل سنبلة مئة حبة؛ فضلها كبير في الدنيا والآخرة، وبعد أن كان المنفقون للصدقات يقبلون عليها حبّاً وكرامة، أصبح بذلها في زماننا هذا غصباً وعلى مضض، وتبدل الحال من الإنفاق في سبيل الله؛ إلى الإنفاق في سبيل إسكات الألسن واتقاء الشر، ولا يمكن أن نطلق عليها “رياء”؛ لأن الناس هي من تدفع البعض للتصدّق دون إرادتهم، على عكس الرياء حيث تكون الصدقة طوعية للحصول على رضا وإعجاب الناس ومديحهم وثنائهم، ولعل ذكر بعض الأمثلة سيوضح ما أعني.

في مواقع العمل يتفق بعض الموظفين على جمع مبلغ لأحد الفقراء أو المحتاجين من زملاء العمل أو من خارج محيط العمل، وأحيانًا لبناء مسجد، فيقوم أحدهم بالمرور على كل موظف لتجميع مبلغ متفق على قيمته مسبقًا، فيصبح التصدّق هنا إلزامياً نوعاً وكماً؛ لأن المجتمع الوظيفي لا يرحم ويصف من يرفض الدفع بالبخل، ويُشكِّك في نواياه وأخلاقه، ويعتبره خارجاً عن السرب؛ لأن الكل يدفع فلماذا هو أو هي أو هم لا يدفعون؟!!.

في التجمعات العائلية والمناسبات الكبرى يُقْدِم البعض على التَّصدُّق لعاملات التنظيف، وهو أمرٌ جميلٌ جدًا ومحفزٌ للآخرين حتى يحذوا حذوهم ربما طوعاً وربما كرهًا؛ لأن البعض قد لا يرغب حقيقة في ذلك – وهو حق مشروع – وهذا الرفض يقابله نظرات شزراء، وأحيانًا تعليقات جارحة، بل ويتم المواجهة بأسئلة حول الأسباب، وتقديم الوعظ والإرشاد عن فضل الصدقات، ولا يتوانى البعض في إشعار الرافضين بالنقص، وغياب الخجل؛ لأن الكثير من حولهم تبرّع؛ ليستسلم هؤلاء في النهاية ويدفعون مبلغاً تحت اسم الصدقة، بل وإن هناك من سيحرجهم بالسؤال : هذا المبلغ فقط؟!!.

في مراكز التسوّق يقوم بعض المحاسبين بوضع الباقي من المبالغ المدفوعة في صناديق التبرعات الموضوعة بالقرب منهم، ويقومون بذلك من تلقاء أنفسهم دون سؤال الزبون، خاصة إن كان المبلغ لا يتجاوز ١٠٠ بيسة، وفي هذا السلوك حوارات صامتة، فالمحاسب يقول في نفسه : إنها فقط ١٠ أو ٥٠ أو ١٠٠ بيسة وأنت لست بحاجتها .. لتتبرع بها أفضل للفقراء؛ أما الزبون يقول سراً : كيف لي أن أطالب باسترجاعها ؟ ماذا سيُقال عني ؟ دفعت قبل قليل عشرات الريالات على بضع مشتريات؛ فكيف لي أن أسائل المحاسب عن بضع بيسات؟!!.

في إحدى الشركات قام المدير بخصم مبالغ بسيطة من رواتب الموظفين لأن الشركة تمر بأزمة مالية، وكان ذلك الخصم تحت مسمى التكافل والتضامن مع زملائهم من ذوي الوظائف غير الضرورية التي كان يخطط لإلغائها وتسريح عمّالها تخفيفًا من الأعباء المالية؛ تباينت مواقف الموظفين من ذلك الخصم؛ بعضهم اعتبر ذلك نوعاً من التكافل الاجتماعي، ورأى أن بضع ريالات من رواتبهم “ليست غالية” على إخوانهم وزملائهم، وهذا الموقف دفع آخرين طوعاً أو كرهاً لاتخاذه، وهناك من رفض الاستقطاع لأنه بنفسه بحاجة لكل ريال من راتبه؛ أما الطرف المثير للاهتمام هو الذي رفض القرار من حيث المبدأ وليس المبلغ، وكان يتساءل : إن كان هذا نوعاً من التكافل الاجتماعي؛ فلماذا هو إجباري ؟!! أليس التكافل والتصدق اختياريًا ؟ ألم يكن من الأفضل أن يقوم المدير مسبقاً بإجراء استفتاء قبل الاستقطاع من الرواتب ؟ وجَزَمَت هذه الفئة على أنه لو كان هناك استئناس مسبق برأي الموظفين حول هذا الخصم لكانت نسبة الموافقة عالية جداً !!، كما أثار هذا القرار تساؤلات حول قانونيته وشرعيته؛ فهل يحق للمدير التصرف بها كيفما يشاء لأن المال تحت تصرفه ؟، أم أن الموظف هو صاحب القرار الأول والأخير بشأن أجره استنادًا على شروط العقد الموقع بين الطرفين ؟!!.

الصدقة الإلزامية برأيي تؤثر سلباً على المفهوم الرائع للصدقات؛ فهي تخلق نوعاً من الرياء القسري؛ أي أن الإنسان يُجبر على التَّصدُّق حتى يقي نفسه نقدَ الآخرين؛ بعكس الرياء الطوعي الذي يُقْدِم عليه المرء من تلقاء نفسه ليحصل على المدح والثناء، كما تعزز الصدقة الإلزامية النفاق الاجتماعي، حيث يُبدي المتصدق قسراً وكرهاً تعاطفه وموافقته على التبرع ولكنه في حقيقة الأمر يرفضها، وقد تتحول مشاعره مع الأيام إلى كراهية وعداء تجاه من يستلمها وحتى من يأخذها منه إجباراً، ناهيك عن أن الأخذ من أموال الناس دون موافقتهم وإن كان قدراً يسيرًا تحت مسمّى “الصدقة” سيغير من مسار التعاملات المالية؛ لأنها ستخضع بذلك لأحكام وقرارت فردية وفقًا لمبدأ السيطرة وليس الحقوق، أي أن الطرف الذي بيده الأموال هو من يقرر مصيرها وليس الطرف المستحق، والأخير يرى أنه صاحب الحق في التصرّف بها بطريقته الخاصة وليس بالطريقة المفروضة عليه.

الصدقة هي أمرٌ مستحب وليست فرضًا، يُقْدِم عليها الإنسان عندما يرغب ولو كان به خصاصة، وهناك أسباب عديدة تدفعنا للتَّصدُّق؛ منّا من ينفق على من يراه مستحقًا، وتقييمه للاستحقاق يعتمد على معرفته الوثيقة بهوية المحتاجين والفقراء، ومنّا من يتصدق سرًا ولا يرغب في أن يعرف الآخرون بذلك، وهناك من يلتزم بالنفقة على أحدهم وقد رتّب حساباته وقسّم أمواله وفق قائمة لا يمكنه الخروج عنها، ومن بيننا أشخاص لا تسعفهم ظروفهم المادية لبذل الصدقة، وربما هم من أكثر الناس حاجة لها ولكننا نحسبهم أغنياءَ من التعفف، وهناك من هم ببساطة لا يُقدمون على الصدقة بطلب أو بدفع أو إلزام من أحد، بل بإرادة خالصة صادقة من أنفسهم، وأنا منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى