أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أخذوا موقفي .. فأخذتُ موقفك..

شـيـخـة الـمـحـروقـيـة

 

أخذوا موقفي .. فأخذتُ موقفك..

 

حدث معي هذا الموقف وهو ليس بالأول، ولكنه الأول من حيث ردة الفعل والقرار الذي اتخذته بعد ردود أفعال خاطئة سابقة، إذ قام أحد المقيمين في البناية التي أسكن فيها بإيقاف سيارته في موقف سيارتي، وعادة كنت أقوم بالبحث عن أي موقف فارغ إلى أن يقوم الآخر بتغيير موقع سيارته، ولكن هذه المرة كنت صارمة مع نفسي أولاً، وصارمة في التعامل مع هذا الموقف المتكرر الذي يعزز بداخلي استسهال أخذ حقوق الآخرين لأن الآخرين قاموا بأخذ حقي.

تواصلت مع الشرطة للتواصل مع صاحب المركبة في الوقت الذي كان حارس البناية يحاول إقناعي بأن أقف في موقف آخر وأنه لا داعي لحضور الشرطة، لا أنكر أن الشيطان أوحى إليّ أن أركن سيارتي بطريقة تمنع الحركة على جميع السكّان، كأن أوقفها عرضيًا في الممر العام، وبذلك تصبح مشكلة جماعية وليست مشكلتي الخاصة، ولكني استعذت بالله حينها وعدت لأركّز على المبدأ الأساسي لكل ذلك: سلبُ حقي لا يعطيني الحقّ للتعدّي على حقوق الآخرين.

مضت ساعتان ونحن في انتظار صاحب المركبة ليرد على اتصالات الشرطة، وعندما استفاق من نومه أجاب عليها وجاء مسرعًا، سألته عن سبب إيقاف مركبته في موقفي، فأجابني : لقد وجدت مركبة أخرى في موقفي، فوقفت في مكانك! حينها عشت لحظة إدراك، وتجلّى لي مبدأُ غياب بعض الحقوق، فكلّ شخص لا يتخذ موقفًا صارمًا للوقوف في مكانه الخاص به يستسهل الوقوف في أماكن الآخرين الذين بدورهم يركنون سياراتهم في مواقف الآخرين وهكذا حتى تنتهي المواقف في البناية، فنحن بذلك لا نطبّق قانون نيوتن للجاذبية حيث يتوافق رد الفعل مع الفعل في المقدار ويخالفه في الاتجاه، بل أن ردود أفعالنا تكون مشابهةً للأفعال وموازيةً لها في الاتجاه، بمعنى إن أخذوا موقفنا سنبحث عن موقف آخر لأخذه .. إن سلبونا حقوقنا سنجرّ ذيول الخيبة، وسنبحث عن حقوق الآخرين لنعوّض بها ما خسرناه، ولا يمكن تجاهل حقيقة أن البعض يميل إلى سرقة الحقوق لأنهم مرضى ويعانون من بذرة الشر في قلوبهم، ولكن الأصحاء نفسيًا وخُلُقيًّا قد تُغرس مثل هذه البذور السيئة في قلوبهم دون أن يدركوا أنها تكبر بداخلهم عندما يصمتون وينهزمون في كل مرة تؤخذ فيها حقوقهم.

حادثة الموقف تنعكس في العديد من الصور الواقعية؛ فعندما يُحرم أحدهم من أجر يستحقه بينما يستلمه نظراؤه، لا يقوم بالمطالبة به ولا يعمل بالطرق القانونية المنطقية حتى يحصل على حقوقه، بل يسعى ويطالب لأن يُمنع هذا الحق عن الآخرين أيضًا، فالعدالة في نظره بأنه مثلما أخذوا حقه فيجب أن يُحرم الآخرون من حقوقهم أيضًا.

عندما يُحرم موظفٌ ما من حقه في الترقيات أو الامتيازات الوظيفية يميل إلى التقصير في العمل أو استخدام ممتكلات المؤسسة التي يعمل لديها، فيستهلك هاتف العمل والمركبات والأدوات الأخرى لأغراضه الشخصية معتقدّا بأنه يعوّض ما أُخِذ منه، وأنه يمارس حقّه المنطقي في ذلك، وقد يتعمّد إلحاق الضرر بالآخرين فيُضيّق على زملائه ويؤخرهم في إنجاز أعمالهم ويثبّط من عزيمتهم بذريعة ألاّ جدوى من الاجتهاد والعمل، وإن كان هذا الموظف يعمل في مؤسسة خدمية فإنه يتهاون في متابعة وتخليص معاملات المراجعين، ودون أن يشعر يصبح نسخةً من أولئك الذين يتّهمهم أنهم حرموه من حقوقه، ويساعد بسلوكه هذا على إشاعة الفساد الوظيفي.

عندما يفشل أحد الأقارب في إدارة شؤون حياته سواءً في التحصيل الدراسي أو في إدارة أمواله إما بالتبذير أو الغرق في الديون غير الضرورية، يُرغم الآخرون على تقديم الإعانة له بحجّة أنه ضعيفٌ مسكين ولا يستطيع التعامل مع هذه الحياة أو أنه سيّئُ الحظ، وحتى إن كان هذا القريب يتمتّع بصحة جيّدة ولديه من العقل والرشد ما يعينه لأنْ يسعى في هذه الأرض ويعمل ويجتهد حتى يصلح من شأنه تجد هناك من يتجاوز عن أخطائه وقراراته السيئة ويُلزم الآخرين على إعالته والتكفّل بكافة شؤونه، وإعفائه من أية التزامات ومسؤوليات، وعدم توجيهه وتحفيزه لإصلاح نفسه، وبذلك يكبر ذاك القريب وتكبر معه صفة الاتكالية ويصبح عالة على الآخرين.

عندما يتم تسريح العمّال من وظائفهم، لا يعمل أهل الحق على إعادتهم إلى وظائفهم ومحاسبة المؤسسة التي سلبت حقهم في الحياة السليمة والمستقبل المشرق؛ بل كان الحل في التكافل الاجتماعي والنداءات والمساعي الفردية لتجميع الصدقات والإعانات دون إدراك بأن هذا التكافل يشجع الشركات على تسريح المزيد والمزيد، أما المجتمع الذي يغريه بريق (الصدقات) وجمالها لا يعرف مدى قدرته على الصبر والاستمرار مع تزايد عدد المسرّحين، ولا يعرف تقلّبات الزمن عليه وإلى متى سيعيش في رفاهيته التي ينعم بها اليوم، والقانون لا يفعل شيئًا لإلزام تلك الشركات باحترام حقوق العمّال، وبذلك يُصبح السكوت عن حق المسرّحين دوّامة تلتهم كل من يقترب منها، ودائرة الضرر تتوسع أكثر وأكثر لأن الأضرار الأولى لم يتم معالجتها بالطريقة اللازمة والصحيحة.

أصبح للعدالة صورة مختلفة بسبب مفاهيم ومعايير ابتدعها البعض، فاستقطاع الأجور بحجة المساواة مع الذين يحصلون على أجورٍ أقل تأتي من فكرة “إشاعةُ الظلمِ عدالة”، والتهاون في الواجبات الوظيفية تحت ذريعة غياب الحقوق يعني المزيد من الفساد، ومجاراة الاتكاليين والتهاون في محاسبتهم على أخطائهم بل وإلزام الآخرين لتصحيحها عوضًا عنهم يعني خلق عاهات اجتماعية، وفيه ظلمٌ لأولئك الذين يشقون في حياتهم ويسيرون على الصراط المستقيم من أجل الكسب الحلال، أما تغييب القانون وعدم تطبيقه لمحاسبة كلّ من يحرم العمّال من وظائفهم ويقطع أرزاقهم ما هو إلا نذير بالمزيد من القهر والغُبن؛ فالساكت عن الحق فعلاً كشيطانٍ أخرس يشّجع على الظلم ويعتقد أن الإصلاح يمكن أن يتحقق عبر التعدّي على حقوق الآخرين؛ فهو يعيش بضعفٍ وانهزاميّة على مبدأ : “أخذوا موقفي .. فأخذت موقفك”.

 

‫3 تعليقات

  1. البحث عن أسهل الحلول ؛ وتجنب المطالبة بالحقوق خوفا من التبعات والمشاكل ؛ هذه فعلا من أكبر أمراضنا في هذا الزمان.

    غزارة في الأفكار وتسلسل في السرد يا أستاذة شيخة
    بورك قلمك

  2. بالفعل السكوت عن الحق جريمه في حق نفسك قبل الاخرين وقالوا الساكت عن الحق شيطان أخرس. قد يقول البعض ايش يعني موقف سيارة هي تبعات تجر بعضها البعض وتصنع منه انسان مغتصب الحقوق غير مبالي بحقوق الاخرين، خلال مسيرة العمل الطويلة وجدنا منه الكثير تسببوا في تعقيد الامور وإعطاء حقوق الغير مستحق والآن يجني اغلبنا ثمار افعالهم الدنيئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى