أصداءأقلام الكتاب

أربعون عاماً على معاهدة السلام

 

خميس بن عبيد القطيطي
كاتـب – سـلطـنـة عُـمان
khamisalqutaiti@gmail.com
مرت خلال الأيام الماضية ذكرى مرور أربعين عاما على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي وقعت بتاريخ الـ26 من مارس 1979م في البيت الأبيض بالولايات المتحدة ، وقعها عن الجانب المصري الرئيس الراحل محمد أنور السادات ، وعن الجانب الإسرائيلي رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن ، وتم توقيع الاتفاقية بإشراف ورعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر ، وقد تم التمهيد لهذه المعاهدة بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بتاريخ الـ17 من سبتمبر 1978م في منتجع كامب ديفيد ، والتي كانت تحمل الإطار العام والخطوط العريضة لمعاهدة السلام .
هذه المعاهدة واتفاقية كامب ديفيد تعتبر من المفاصل التاريخية (الخطيرة) في تاريخ العرب المعاصر وذلك لأسباب متعددة سنأتي على ذكرها ، بينما يعتبرها البعض الآخر نجاحا سياسياً يحسب للرئيس المصري الأسبق أنور السادات .
وقد أدت تلك المعاهدة واتفاقية كامب ديفيد إلى استقالة ثلاثة وزراء خارجية هم وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي ، وكذلك وزير الدولة للشؤون الخارجية المعين محمد رياض بعد إعلان تعيينه مباشرة ، وتبعهم محمد إبراهيم كامل الذي استقال أثناء المفاوضات ، وقد علق لاحقا “على أن المشكلة لم تكن في موقف إسرائيل المتزمت ، ولا في الموقف الأميركي ، بل المشكلة كانت في السادات نفسه الذي رضخ كليا للرئيس كارتر” ، ولكن هذه النتائج كانت نتائج وقتية ، إلا أن النتائج الأخطر ما زالت ماثلة حتى اليوم .
والسؤال الذي يتبادر في الذهن دائما : لماذا لم تستطع مصر تعديل تلك المعاهدة حتى اليوم ؟!
لقد حملت معاهدة السلام عدة نقاط رئيسية منها الانسحاب الإسرائيلي من سيناء ، وإنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل ، وإقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين ، وهو ما يعني اختراقا أمنيا خطيرا لجبهة المواجهة العربية ، بانخراط أكبر وأبرز قوة عربية خلال تاريخ الصراع في اتفاقية ثنائية مع الجانب الإسرائيلي دون التطرق للانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة ، ودون تنسيق جماعي مع بقية الأشقاء العرب ، ويمثل كذلك تحركا أحادي الجانب من قبل الرئيس أنور السادات دون التشاور مع دول المواجهة التي احتلت أراضيها في حرب 1967م خلال نفس الفترة ، وبالتالي فقد حققت هذه المعاهدة أهم مسألة في صالح “إسرائيل” من خلال تفكيك الأمن القومي العربي ، وشق الصف العربي ، وتأمين الجبهة الجنوبية للكيان الصهيوني ، وهي الجبهة الأخطر في تاريخ الصراع بين الجانبين ، وبالتالي تحييد دور مصر القومي ، واستبعدت عن قيادة الأمة العربية ، وهي الدولة العربية المحورية خلال التاريخ العربي الحديث ، فيما جاءت المعاهدة بحد ذاتها منقوصة السيادة كونها حددت حجم الوجود العسكري المصري في سيناء ، ولا نعلم حتى الآن كيف قبل الرئيس السادات تلك البنود وتحت أي مبررات ؟!
لو عدنا إلى ما بعد حرب 1967م نجد أن مصر خسرت الحرب ، ولكنها عادت سريعا واستعدت لحرب أخرى فاصلة مع العدو وأرهقت “إسرائيل” من خلال حرب الاستنزاف عام 68م ، وقامت بتحديث الجيش المصري ، واستمر التنسيق والإعداد مع باقي الدول العربية ، مع تفعيل واستمرار حالة المواجهة موحدة ، ما كان يمثل أكبر تهديد لدولة الكيان الصهيوني ، وقد أثبت ذلك فعاليته ، فكانت دولة الكيان المحتل تدرك أنها أمام معركة فاصلة مع الأمة العربية مجتمعة لا بد منها ، وهو ما حدث بالفعل في الـ6 من أكتوبر 1973م .
كل تلك المعطيات كانت واضحة أمام السادات ، وتؤكد أن البقاء في سيناء لم يكن ليستمر في ظل حالة اللاسلم واللاحرب القائمة ، وبقاء جيش الاحتلال في حالة تأهب دائم مع استمرار المواجهة واستمرار الاستنزاف ، لذلك كانت “إسرائيل” تدرك أنه لا يمكن لها البقاء في سيناء في ظل تلك الظروف ، وأنها بلا شك أمام مواجهة أخرى محتملة في ظل استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ، وأن مصر لا يمكن أن تنسى أرضها المحتلة ، ولن تنسى شهداءها وستهرب “إسرائيل” من سيناء طوعا أو حربا ، ولكن السادات قدم لكيان الاحتلال طوق النجاة من خلال اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام ، وحقق لـ”إسرائيل” ما كانت تبحث عنه .
لقد سبق أن حاولت “إسرائيل” استجداء السلام مع الرئيس عبدالناصر أكثر من مرة مقابل الانسحاب الكامل من سيناء ، وهو ما رفضه عبدالناصر ، لأن القدس والضفة والجولان أولا في مفهوم عبدالناصر حسب نظرية الأمن القومي العربي الجماعي واستراتيجية المواجهة ، وهذا موثق بلسان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز ، ما يعد دليلاً واضحاً على أن “إسرائيل” تتجنب دخول أي مواجهة استنزاف على المدى البعيد ، وبالتالي فإن معاهدة السلام واتفاقية كامب ديفيد التي سبقتها حققت نتائج استراتيجية للصهاينة ، وضعضعت الموقف العربي ، وكانت بداية انتكاسة عربية تبعها أحداث عاصفة ما زلنا نتجرع نتائجها حتى اليوم .
إن الانقسام العربي الذي تبع تلك المعاهدة المشؤومة لم يتوقف ، بل تزايد ، فلم تعد جمهورية مصر العربية هي قوة التوازن السياسي العربي ومحور الأمة التي يلتف حولها العرب وتوحد مواقفهم ، فتم تحييدها في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وتم مقاطعتها منذ عام 1979 ولغاية 1989م ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة ، كما أن معاهدة السلام فتحت الباب على مصراعيه أمام بقية دول المواجهة لعقد اتفاقيات ثنائية مشابهة “أوسلو” مع السلطة و ”وادي عربة” مع الأردن ، ثم انفتاح آخر مع دول الاعتدال العربي ، ما أدى إلى حالة من التراجع العربي ، ولم يتوقف كيان الاحتلال عن عدوانه المستمر على الفلسطينيين ، وتجردت القضية الفلسطينية من عوامل الدعم العربي ، وأصبح الأشقاء في فلسطين في مواجهة عدو متنمر ينفذ مخططاته ويقوم بممارسات همجية ضد أبناء الشعب الفلسطيني ، ولم يستطع العرب تشكيل موقف موحد نظرا لفقدان حرية المناورة لأكبر دولة عربية ، لذلك فإن معاهدة السلام اختطفت قيادة جبهة المواجهة العربية المتمثلة في جمهورية مصر العربية ، ومن الصعب استعادة زمام المبادرة في هذا الصراع دون استعادة القيادة التاريخية للأمة ، وما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة ، والتاريخ خير شاهد على ذلك .
Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق