أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أزمة العـراق من أزمة مكوناته..

الدكتـور/ محمد السعيد إدريس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

أزمة العـراق من أزمة مكوناته..

 

بعد ما صادقت المحكمة الاتحادية العليا في العراق يوم الاثنين (28-12-2021) على نتائج الانتخابات التشريعية العراقية التي جرت يوم العاشر من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، كانت النتيجة أن الصراع تفجر على أشده في أوساط الكتلة الشيعية على مستويين؛ الأول بين أعضاء هذا المكون الشيعي المصنفين بـ «الخاسرين» للانتخابات المنضوين تحت لواء ما يعرف بـ «الإطار التنسيقي» حول تأييد أو رفض حكم المحكمة الاتحادية العليا بخصوص اعتماد نتائج الانتخابات. الثاني بين كل هؤلاء من ناحية، ربما باستثناءات محدودة، وبين التيار الصدري الفائز بأكبر عدد من المقاعد في هذه الانتخابات حول هوية الحكومة المنتظرة، هل تكون حكومة «أغلبية» كما يريد الصدريّون، أم حكومة «توافقية» أو حتى ما يسمونه بحكومة «توافقية موسعة» كما يسعى أعضاء «الإطار التنسيقي» من أحزاب وكتل وتحالفات سياسية؟.

لم تعد الكتلة الشيعية كتلة موحدة مثلما كانت في السنوات الأولى التي تلت إسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، فقد كشفت الانتخابات التشريعية الأخيرة مدى عمق الانقسامات التي تجذرت بين تلك الأحزاب والتحالفات داخل هذه الكتلة.

الصراع الأول الذي فرض نفسه عقب صدور حكم المحكمة الاتحادية في أوساط المنتسبين ل «الإطار التنسيقي» عن عجز هذا الإطار بمكوناته من أحزاب وتحالفات وكتل وتنظيمات شيعية عن إصدار بيان يتعلق على ذلك الحكم. عجز يكشف عمق الانقسام بينها حول الرؤية المستقبلية لمرحلة ما بعد صدور حكم المحكمة. هل توافق وطني أم رفض وتصعيد للصراع، على النحو الذي كان يعلن قبل صدور هذا الحكم من مطالب بإلغاء نتيجة الانتخابات والذهاب إلى انتخابات جديدة في مرحلة لاحقة.

فبينما بادر زعيم تيار الحكمة «عمار الحكيم» بإعلان تأكيده الالتزام بحكم المحكمة ما يعني استعداده للتعاطي مع جهود تشكيل الحكومة الجديدة مع الفائزين، ومن بعده جاء تأييد حيدر العبادي رئيس «ائتلاف النصر» مع بعض التحفظات، ثم جاء التأييد أو فلنقل «الامتثال الطوعي» من هادي العامري زعيم «تحالف الفتح» لحكم المحكمة، رغم تحفظاته القوية عليه «حرصاً على التوحد الوطني والحفاظ على المؤسسات السياسية»، ليفجر الانقسام في أوساط «الإطار التنسيقي» في ظل الرفض القوي لتحالف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي وكذلك كتلة «عصائب الحق»، في خطوة تهدد بانفراط هذا «الإطار التنسيقي».

الانقسام الثاني هو الأهم، فهو يتركز بين «الإطار التنسيقي» من ناحية «والتيار الصدري» من ناحية أخرى حول طبيعة الحكومة الجديدة. فالفائزون من الشيعة وفي مقدمتهم «الكتلة الصدرية» بزعامة مقتدى الصدر تسعى إلى تشكيل «حكومة أغلبية وطنية» وترى أن هذه الحكومة، أو هذا النوع من الحكومات هو الذي سيضع حداً لسياسة «المحاصصة»، التي تحول الحكم إلى «غنائم وجني الثمار» ومن ثم تفشي الفساد، وأن مثل هذه الحكومة هي التي ستؤسس للإصلاح المطلوب شعبياً وللحكم الديمقراطي الذي طالب به «الحراك الجماهيري»، لأنه بقدر ما سيؤسس لطرف حاكم سيؤسس أيضاً لطرف معارض، وسيجعل المعارضة قوة وطنية ضابطة لممارسات الحكم، وهذه هي الخطوة الأولى للإصلاح.

أما الآخرون في جانب الخاسرين، فيريدون استمرار الأوضاع على نحو ما كانت عليه، وتشكيل حكومة «ائتلافية» تجعل «الجميع يحكمون» وتجعلهم جميعاً «فائزين» وأن هذه الحكومة ستستعيد «التوافق الوطني» كما يرددون.

وسط هذا كله تأتي أزمات المكونات الاجتماعية الأخرى خاصة المكون السنّي والمكون الكردي. حيث يعاني كل مكون منهما صراعاً مزدوجاً. فالسنّة أصبح لديهم، للمرة الأولى، كتلة برلمانية يعتدّ بها بعد أن استطاعت كتلة «عزم» بزعامة خميس الخنجر رفع رصيدها في البرلمان من 14 نائباً إلى 34 نائباً بانضمام عدد كبير من المستقلين إليها، ما رفع عدد النواب السنّة إلى 69 نائباً في البرلمان (35 نائباً لحزب تقدم برئاسة محمد الحلبوسي و 34 نائباً لكتلة عزم).

هذه الكتلة السنية تعاني أولاً صراع الانقسام حول المناصب العليا، حيث يحرص الحلبوسي على أن يكون ممثل السنّة في السلطة العليا وبالتحديد المناصب العليا الثلاث: رئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان، ورئاسة الجمهورية، فهو يريد أن يجدد لنفسه في رئاسة البرلمان، وهذا سيكون صعباً إذا لم يحصل على رضا ودعم خميس الخنجر ويدعم طموحه لمنصب نائب رئيس الجمهورية.

أما الصراع الثاني سيكون حول «التحالف مع من لتشكيل الحكومة الجديدة: هل مع التيار الصدري لتشكيل حكومة أغلبية وطنية أم مع المنافسين الشيعة وعلى رأسهم نوري المالكي لتشكيل حكومة ائتلافية»؟.

الصراعان نفسهما يسيطران على الكتلة الكردية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، وبين الاتحاد الوطني الكردستاني: هل سيقبل البرزاني دعم برهم صالح ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني لرئاسة الجمهورية أم سيقدم مرشحاً منافساً؟ وهل سينحازون إلى تيار الصدر أم إلى نوري المالكي؟.

أسئلة صعبة تؤكد أن الانقسامات بين السنّة والكرد هي ذاتها الانقسامات بين الشيعة وأن هذا هو بيت الداء الذي يهدد العراق ومستقبله الديمقراطي بسبب صراعات مكوناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى