أصداء وآراء

أزمة القمح في الوطن العربي..

 

 

الدكتور المهندس / محمد المعموري 

mohmus94@yahoo.com

 

 

أزمة القمح في الوطن العربي..

 

منذ أن أورث  الله تعالى الأرض للإنسان ؛ كانت زراعة القمح هي الأولى التي زرعها الانسان ونمت محاصيلها واستثمرت انتاجها في إيجاد سبل الحياة الكفيلة باستمراره.

ومع التطورات التي حصلت في طريقة زراعة وانتاج القمح تراجعت دول في إنتاجها للقمح وتقدمت دول أخرى ، نتيجة لظروف بيئية أو تغيرات جغرافية او حتى تدخل السياسات الخارجية ، أو نتيجة الحروب الإقليمية أو العالمية.

كان الوطن العربي في بدايات القرن العشرين في ذروة امتلاكه لإنتاج القمح في العالم كونه يمتلك العوامل التي أهّلته آنذاك لتنمية هذا الانتاج ، وكان الغرب في تلك الحقبة مستمرين في  البحث عن الاتجاهات التي تؤهلهم للنهوض في هذا القطاع بمسار واحد مع تطور الصناعة إثر الثورة الصناعية في بلادهم. 

إستغلت تلك الدول الثورة الصناعية في بلدانهم لتؤهلها في انتاج المعدات الزراعية المتطورة التي ساهمت في زيادة إنتاج الحنطة لديهم وساعدتهم الظروف الطبيعية  كونها  تمتلك المدة الأكبر من المناخ المؤهل للزراعة ووفرت المياه (الناتجة من الامطار) ، أصبح القطاع الزراعي لديهم ينهض وينمو خاصة في زراعة القمح ، حتى أصبحت تلك الدول من المصدرة له بل هي من تتحكم في سياسات تصدير القمح للعالم.

ومن إحصاءات إنتاج القمح العالمية التي  تأتي من أرقام منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من قاعدة البيانات الإحصائية (FAOSTAT) ، والمعلومات المستخلصة من أرقام المجلس الدولي للحبوب ومن تقريرها “تقرير سوق الحبوب” ؛ يبلغ إنتاج القمح في العالم سنويا أكثر من 700 مليون طن متري ، ويتركز الإنتاج في كل من الصين والهند والولايات المتحدة وروسيا ، إذ تستحوذ هذه الدول على أكثر من ربع إنتاج العالمي للقمح.(1)

سوء التخطيط في السياسات الاقتصادية العربية واتباعها للسياسات الاقتصادية الغربية في الكثير من مفرداتها ؛ فعلى سبيل  المثال لا الحصر ينظر العرب إلى الصناعات المتطورة في أوروبا وأمريكا والصين… ويتسارعون لامتلاك جزءاً منها أو التشجيع عليها ، وكذلك اتبعت السياسات العربية الاقتصادية أسلوب الجري وراء فتح منافذ الاستيراد واعتمدت في ديمومة الصناعات المتواضعة على استيرادها من الخارج ،  وفتح المجال لاستيراد المحاصيل الزراعية في بعض الأقطار العربية ، وإهمال الجانب الزراعي أو البحث عن كيفية تطويره والنهوض به ، حتى أصبح استيرادنا للقمح نحو 21.9% من الانتاج العالمي (ذكر تقرير أمريكي أن 9 من الدول العربية استوردت نحو 40.2 مليون طن من القمح خلال العام 2019 – 2020، وهو ما يمثل 21.9% من واردات القمح العالمية).

ولا يخفى علينا كارثة الاهمال التي تسببت في ترك الفلاح لأرضه (هجرة الفلاح)(2)  ، والبحث عن عمل آخر لتستمر حياته بشكل أفضل نتيجة عدم الدعم الحقيقي لواقع الفلاح ، وعدم وجود المحفزات الكفيلة بديمومة عمله ، والتي كان  يجب أن تكون بدعم الفلاح من خلال شراء محصوله الزراعي بمبالغ ثابته دون أن يؤثر عليها منطق العرض والطلب ، لأننا نعلم كم تخسر الحكومات في توفير مادة القمح عند استيرادها من الخارج وكذلك كم من المبالغ تهدر عند بيعها بشكل مدعوم من الدولة الى المواطن ، الأجدر أن نكثف الاهتمام بالزراعة ورصد المبالغ التي تستهلك من جراء الاستيراد ووضعها في مصب الانتاج الزراعي وهذا لم  يحدث إلا من خلال الدراسات الميدانية والإحصائية الكفيلة بتشجيع النظر لهذا  الاختلاف.

وكذلك يتباهى المصممون في التسابق لإيجاد إجمل التصاميم لمدننا ، ويسعى الكثير منا لعمرانها وربما بتصميم شوارعها ، ولن نكترث إلى ما تسببت فيه من تجريف الحقول والمزارع وتحويل جنس الأرض من الزراعي إلى السكني ، مع العلم أن هذه الاراضي خصبة ومنتجة وتقع بالقرب من مصادر المياه ، بينما الاتحاد الاوربي وامريكا والصين وروسيا  (المتابعين نحن لهم إلا في الزراعة) إتجهت نحو دعم الفلاح ، وبناء السياسة الاقتصادية التي تنمي عمل الفلاح ، وكذلك ايجاد السبل الكفيلة في نمو زراعة القمح فأصبحت تلك الدول من دول مستهلكة للقمح الى دول مصدرة للقمح وتعد من الدول التي ينظر إليها في جميع السياسات الاقتصادية نتيجة نمو تلك الزراعة تزامنا مع خطط نمو الصناعة والمحاصيل الأخرى.

ونحن الآن في جائحة كورونا ، وما عملته فينا من تدهور اقتصادي وكساد على كافة الأصعدة ، ماذا لو الغرب صدر لنا جائحة منع تصدير القمح ؟!!.

علينا أن نضع في حساباتنا كل التوقعات ، ويجب أن نعمل كفريق اقتصادي عربي واحد خاصة في مسألة توفير القمح من أجل أن يصبح التكافل العربي هو البديل من سطوة الغرب علينا  ، وفي هذا المجال أرى من الممكن تجاوز تلك الأزمة عربيا من خلال :

  1. التكافل العربي والتكامل الاقتصادي الزراعي بين الاقطار العربية.
  1. البحث من أجل إيجاد حل لمشكلة التصحر في بعض الأقطار العربية.
  1. دراسة إيجاد البديل في سقي محصول الحنطة بدل الاعتماد على موسم الامطار (من خلال البحث والدراسات).
  1. تشجيع زراعة القمح العربي في البلدان التي تتوفر فيها وفرة المياه مثل العراق ومصر والسودان ، والتأكيد على زراعته ونمو تلك الزراعة في هذه البلدان بشكل يوفر التكافل الاقتصادي العربي.
  1. إنشاء مركز بحثي متخصص في إنتاج القمح للوطن العربي يضم مجموعة من الباحثين العرب ، ويكون لهذا المركز الصلاحيات الواسعة لكي يقوم بعمله من دراسات وتطوير ومتابعة.

وأختم … فشلنا في إيجاد قرار سياسي موحد .. لماذا لا ننجح في إيجاد قرار اقتصادي واحد يخص إنتاج القمح على الأقل للتخلص من الضغوط الخارجية على السياسات الاقتصادية وكذلك لتوفير هذه المادة الأساسية عربيا ؟؟!! ولعلنا نرجع للتَمعُّن والتَفكُّر في سورة يوسف و تَتَبَّع ما أمرنا به الله.

والله الموفق .. للمقال بقية…

*(1) ، (2) إحصاءات القمح في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى