أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أسـرار القـهـوة..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلماني

 

أسـرار القـهـوة..

 

القهوة هي ذلك المشروب المستخلص من حبوب البن ذو الرائحة النفاذة المنعشة، ذو المفعول السحري الذي ينعش العقل والقلب والروح، ويرهف الحواس ويفتح الشهية لحب الحياة بحلوها والتلذذ بمرارتها وسمارها، هي تلك القوة التي يطلقها حرف القاف بفخامته وعظمته لتمنحك الحماس لمواجهة العالم ولتمارس التفكير بإيجابية والقيادة بدبلوماسية والابداع باحترافية، القهوة تعزز الحواس الخمس وتطلق الحاسة السادسة بقوة، هي رمز الضيافة والأصالة والكرم منذ القدم وعلى مدى العصور ولا زال يتلذذ بشربها الكثير من الناس، فهي طعم الحياة والشموخ والعزة وسلطان المجالس الذي تغنى به المغنون وكتب فيه الشعراء أجمل القصائد والفنون، والجدير بالذكر أن الموطن الأصلي لحبوب البن الذي تُصنع منها القهوة هو إثيوبيا القابعة في القرن الإفريقي.

لقد نالت القهوة رغم طعمها المر ولونها الداكن محبة واستحسان الملايين من البشر حول العالم ولاقت شهرة واسعة واستهلاك كبير من قبل فئات متعددة من الناس، فالقهوة ليست مشروب الضيافة المفضل الأول في البلدان العربية فقط ولكنها تحتل مكانة مميزة لدى البلدان الغربية أيضًا، إذ أن القهوة بكل أنواعها تتربع على عرش أول اللقاءات وأفخم المؤتمرات والندوات وتتوسط كل المقاهي والكافيهات، حيث أن كلمة كافيه يُقصد بها المكان الذي تُقدم فيه القهوة أو تُشرب فيه القهوة وهي مشتقه من (coffee) أي القهوة، بالرغم من أن الكافيه (café) أو المقهى يقدم أنواع أخرى كثيرة من المشروبات والمأكولات، إلا أن القهوة تحظى بأهمية ومكانة متفردة لدى أغلب بلدن العالم لا يمكن المساس بها أو إقصائها، وهناك أنواع من القهوة المعروفة والمشهورة عالميًا كالقهوة العربية والقهوة التركية والقهوة الايطالية والقهوة الفرنسية، كما أن هناك مسميات مختلفة وعديدة للقهوة تعتمد على حسب طريقة تحضيرها أو بسبب المكونات المضافة إليها مثل كابتشينو، اسبريسو، أمريكانو، كافيه لاتيه، موكا، وغيرها الكثير.

إن أسرار القهوة لا يدركها سوى عاشقيها ومدمنوها وأولئك المتباهين بإدمانهم لها حيث أن إدمان القهوة مشروع على عكس غيرها من المنبهات أو المنشطات، فرائحتها تبقى عالقة في الأنف والذهن، حتى يصبح تناول القهوة عادة ضرورية وروتين مهم جدًا لا يمكن التنازل عنه ببساطة أو كقاعدة لا يمكن كسرها، فالقهوة هي المرافق المؤنس والصديق عند الشعور بالملل والوحدة، وملقّن الأفكار المبدع وقت الكتابة والمحفّز المنعش وقت الكآبة والداعم الصامت وقت القراءة، وجامع الشمل وقت الفراغ ومحسن المزاج وباعث الراحة، ولذلك فإن احتساء القهوة يمنح الكثير من الفوائد أهمها الشعور بالانتعاش وتنشيط هرمون السعادة، وزيادة التركيز والشعور بالنشاط والحيوية وخفض مستوى التوتر والقلق لوجود الكافيين فيها، وكما تشير بعض الدراسات إلى أن القهوة لها علاقة بتراجع احتمالات الاصابة ببعض الأمراض كالزهايمر والخرف وأمراض الكبد وأمراض القلب والنوع الثاني من السكري وذلك لاحتوائها على مواد مضادة للأكسدة.

إن احتساء فنجان من القهوة يختلف تمامًا عن احتساء أي مشروب آخر، إذ أن هناك عادات وتقاليد مقدسة وطقوس خاصة تصاحب إعداد القهوة وتناولها بل ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا في العديد من البلدان حول العالم، ولطالما ارتبط تناولها بخزعبلات كقراءة الفنجان ومعرفة الحظ وأحداث المستقبل، ففي دول الخليج تُعد القهوة المضاف إليها بعض المطيبات أو التوابل العطرية كالهيل والزعفران والقرنفل هي الأولى والمفضلة لدى الغالبية العظمى وتحتسى مع التمر في الغالب، وتتشابه تقاليد شرب القهوة في دول شبه الجزيرة العربية ويسمى الإناء الذي تُحفظ فيه القهوة لتبقى ساخنة (دلة)، وتُصب القهوة باليد اليسرى ويُقدم الفنجان للضيف باليد اليمنى، وبعد شُرب الضيف لفنجان القهوة يجب على (المقهوي) أن يصب له فنجان آخر وآخر ما لم يهز الضيف فنجانه، وفي المغرب يضاف الزنجبيل والقرفة وجوز الطيب للقهوة ليعطيها مذاقاً مميزاً ورائحة زكية، وفي بلدان عربية أخرى يتم تناولها مع بعض الحلويات أو المخبوزات المحلاة كالبسبوسة والبقلاوة والكنافة وغيرها، أما في بعض الدول الأوروبية فيتم تناول القهوة مع البسكويت أو الكعك أو الشوكولا، وفي تركيا يتم تقديم القهوة مع حلوى الحلقوم أو حلوى الراحة.

للقهوة لذة غريبة ومتعة فريدة مصحوبة بفخامة الشعور وهيبة الحضور هي المرارة الممزوجة بحلاوة الحياة لتجعل نبضات القلب تتسارع بل ترقص فرحاً، فهي السمراء التي جعلت شعوب العالم تُغازلها وتُجمع على حبها وتتفق على جعلها جزءً مهماً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، فهي حاضرة في كل الأوقات وكثيراً ما ترتبط بالأوقات السعيدة واللحظات الجميلة، رغم حضورها حتى في مجالس العزاء، وإن تحديد الأول من أكتوبر من كل عام ليكون يومًا عالميًا للقهوة من أجل محاولة حل المشاكل التي تعرض لها مزارعي البن، لهو دليل يؤكد على أهمية القهوة لدى العالم أجمع ومدى تأثيرها على حياة البشر من بين المشروبات الأخرى، وقد تم الاحتفال باليوم العالمي للقهوة لأول مرة في عام 2015م، وفيه تقوم بعض المقاهي بتوفير قهوة مجانية للاحتفال به، بل إن ارتباط القهوة بالكثير من الدراسات والأبحاث العلمية الضخمة حول العالم وعلى مدى سنوات عديدة ما هي إلا محاولات لاستكشاف المزيد من آثارها وأسرارها، ومعرفة أسباب عشق الكثير من سكان العالم لها رغم مرارتها وسمارها.

لا يقتصر سحر القهوة في شربها فقط بل يتعداه إلى استخدامها استخدامات أخرى متعددة، فنظراً لعشق الكثير من الناس لرائحة القهوة المنعشة ابتكرت العديد من الشركات المصنعة والمتخصصة الكثير من المنتجات برائحة القهوة مثل الكريمات والصابون والمنظفات والعطور، فحتى أولئك الذين لا يحبون شرب القهوة يمكنهم الاستمتاع بعبق رائحتها الفخمة الجذابة، وعلى سبيل المثال توجد في اليابان منتجعات للاستحمام بالقهوة، ونظراً للفوائد السحرية والمنافع الكثيرة للقهوة، فإن الكثير من النساء في معظم دول العالم تستخدمها في إعداد أقنعة وخلطات لتجميل البشرة والعناية بالشعر وأيضاً لإنقاص الوزن، فكيف لي ألا أعشق القهوة وهي تطلق القوى الكامنة في عقلي وجسدي وتشعل الإحساس بجمال الحياة وتنعش الروح، أو كيف لي أن أنهي يوماً مثقلاً بالأعباء دون رشفة من فنجان قهوة؟!، أو كيف لي أن أعيد ترتيب أجندتي وأستعيد أجمل ذكرياتي دون أن استنشق رائحة القهوة؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى