أصداء وآراء

أصابـع وقلـوب وبعـض الألـوان..

 

 

الكاتـب/ يـوسـف البـادي

 

 

أصابـع وقلـوب وبعـض الألـوان..

 

“أحلم بأطفال المدارس يُحوّلون حوائط الإسمنت المسلح أو الجدران الخشبية المؤقتة للمشروعات الجديدة إلى لوحات تشكيلية تبرز أحلامهم .. مستخدمين أصابعهم وقلوبهم وبعض الألوان”.

هكذا كانت إجابة الروائية “بشرى خلفان” ، حين سُئلت عن أمنياتها ، وذلك في حوار أجرته معها مجلة “دبي الثقافية”.

وأصابع وقلوب وبعض الألوان .. تلك الإجابة هي وحدها من سكبت حبراً في قلمي لأكتب هذا المقال .. ربما ليؤكد ذلك أن هناك من سلكن مسلك الأدب والثقافة في عُمان ، من تلمس في مجرد حديثهن رقياً وشكلاً من الإبداع.

وبشرى .. حين تكون تلك أمنيتها ، فإني أشاطرها الأمنية .. ولأقول أيضاً بأن تلك الأصابع تحتاج إلى رعاية ومحافظة عليها .. ولن أسرف لو قلت بأن الطفل فكرته في أصابعه.

وللآباء الحق لو شعروا بالسعادة حين يرون طفلهم يرسم .. أو يشخبط كما يسمّيه البعض .. فإنما يدل ذلك على أن طفلهم يفكر ، وله رغبة في التعبير عن فكرته ، تلك الفكرة التي لا نمتلكها أحياناً نحن الكبار في المجالات الإبداعية في الحياة ، وعلى ذلك فإن تحفيز تلك “الشخبطات” والتشجيع على المزيد منها سيثمر بالتالي عن مزيد من الأفكار .. ومن الإبداع في المستقبل.

والصدق والتلقائية في رسوم الطفل هي ما يمكن أن تؤهل خطواته لإنسان مقبل على الحياة .. ليدخلها بثقة ودون خوف ، وذلك يتأتى حين يعرفها بنفسه دون تدخلات ترغمه أو تضيق على شخبطاته ، أو تحرمه من متعة تنفيذ الذي يبدو في نظرنا قبيحاً كعمل فني.

فالتدخل المبالغ فيه أو الرسم بالنيابة عن الطفل ، وتصحيح هذه الرسومات الصغيرة على أن تكون كبيرة قد يتولد عنها نفسية محطمة غير واثقة بنفسها ، لتدخل في محيط الحياة القادم بهذه النواتج السلبية.

وهناك من يغفل حين يتدخل في تصحيح رسومات طفله لتكون ذات مستوىً عالٍ فنياً .. ظناً أن ما يفعله الطفل هو أعمال فنية لها نفس قواعد الفن عند الكبار ، لكن الحقيقة أن الأمر مختلف .. فالطفل لا يقوم بعمل فني ، إنه يلون فكرته على الورق ويحدث بما يراه من الأشياء في داخله ، وهذا هو نفسه ما يبحث عنه الفنانون الكبار في الوصول إلى الفكرة في عملهم ، وليس لمجرد الرسم وحسب ، فالفنان يتمنى دائما أن تكون له رؤية خاصة وجديدة للأشياء .. وهذا الأمر يمتلكه الطفل في رسوماته.

وبمثل ذلك .. يقوم بعض المدرسين أحياناً (أو ما يفرض عليهم بالضرورة) بتعليم الأطفال الرسم ، والطلب منهم أن يرسموا موضوعات بعينها ، وليس بتحفيز الأفكار بواسطته ، الذي أظنه أساس تدريس مادة الفن.

الرسم لدى الطفل .. تدريب ذاتي لموهبة وأمنية في داخله ، فرسمه لا يعني أنه يحب الرسم!! .. إنما يعني كذلك أن من خلاله يمكن معرفة هواياته وميوله المهنية للمستقبل..

فرسمه لمنازل وطرق وعمارات إنما يدل ذلك على ميول هندسية ، فالطفل لا يرسم ليعبر عن الطبيعة ولكن ليخبر عما يهمه .. فالمسألة في رسمه لا تعني بالضرورة أنه يقوم بذلك ليصبح رساماً.

والرسم بالنسبة للطفل زاوية تربوية ، يمكن أن تعكس على شخصيته أموراً إيجابية ، ومنها تعوّده على التنظيم ، ومساعدته على التعرف والتفريق بين الأشياء ، وذلك يتأتى تحديداً من خلال تلوينه لبعض الأشياء ، حتى إن لم يكن هو راسمَها .. وهذه الأمور من المكونات الشخصية ، وما شابهها يمكن إكسابه إياها خلال المراحل المتأخرة في عمر الطفل ، فالاهتمام بهذه المرحلة إنما يعني تهيئة لقدوم نقلة حياتية إلى مرحلة المراهقة.

ربما سيكون أيضا من التعاملات المفيدة لرسوم الأطفال ، هو أن نعلقها في غرفهم ، وهذا الأمر سيخلق عند الطفل الشعور بالانتماء والتواصل للمنزل ذلك الذي كرمه وجعله جزءاً من بنيانه وألوانه.

أخيراً .. شكراً يا بشرى على أمنيتك ، وشكراً لكل من تمنى .. ومن لم يعسف الألوان من أيدي الأطفال ، ولمن قـبَّل تلك الأصابع التي ترسم الصدق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى