أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أعلام من بلادي .. الجزء (1)..

الدكتور/ المهـندس محمـد المعـموري

 

أعلام من بلادي .. الجزء (1)..

الاختلاف“..

 

عندما خلقنا الله سبحانه وتعالى  قال للملائكة : (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (اندهش الملائكة  وقالوا  لله سبحانه وتعالى) : قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖفأجابهم الله جل من أجاب) : قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، ولكنهم سرعان ما انصاعوا لأمر الله سبحانه وتعالى عندما بيّن لهم سبحانه أنهم لا يعلمون علمه ولا ينتهون إلى مقصده (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)، ولأنهم الطائعون لأمر الله والمنتهون عند حكمته سبحانه (سجدوا الملائكة) ولم ينصاع الشيطان لأمر الله، وقال للعزيز الحكيم مجادلاً له) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين( فنكر الشيطان على ما خلق الله وعصى ربه، ولكن الله لم يحرقه بلحظته، ولم يأمر ملك الموت أن بأخذ روحه، ولم يأمر خزنة جهنم بسحبه الى النار خاسئاً، ولم ينتقم منه عند اعتراضه على ما أراد الله ولكنه قال : (انظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين…) فمنحه الله ماراد من رغبة، والشيطان أعلم بنهايته، وهو أعلم بجبروت الله وقدرته، وهو اعلم بان الله قادر على ان يمسخه بلحظته وهو أعلم بأن أمر الله بين الكاف والنون، ولكنه كذلك يعلم أن الله عزيز حكيم، وكذلك يعلم بأن الله حليم، وكذلك يعلم أن الله خالق  السموات والارض وقادر على أن يخلق مثلهم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، ولكنه نظر من نظرة الحلم والكرم لذات الله، وعصى الشيطان الله وهو الخائف من  الله،  وعند كفره بما أمر الله، طرده الله من رحمته ومن جنته إلى أرض الله ووعده بالعقاب وفق محاكمة عادلة سيأتي يومها، وكان هذا اختيار الشيطان إذ قال لله سبحانه (رَبّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم).

هذا ملك الملوك عصى أمره خلق من خلقه، قادر سبحانه أن يتركه في العذاب إلى يوم الدين، ولكنه يمتلك الحلم قبل الغضب والرحمة قبل العذاب، ولأن رب العزة سبحانه أراد أن يبيّن لنا من هذه الواقعة أن الحوار يجب أن يكون هو الفاصل وإن كانت قدرة أحد المتحاورين أكبر من الآخر (ولله المثل الاعلى) ولكن يجب أن نسمع وأن نناقش وأن نفهم فلسفة الآخر دون أن نحكم  على خصومنا بالسجن أو العذاب أو الموت أو التهجير لمن يستطيع الفرار.

والمفروض أن تكون لنا أسوة حسنه بمحمد صلى الله عليه وسلم (ولكم في رسول الله أسوة حسنة)، فهو من هُجّر من قريش، وهو من حَورب وحوصر وتحمل أذاهم وعُذِّب أصحابه، وترك مكة وهو يودعها بألم وهو يقول صلى الله عليه وسلم عند وداعه لمكة : “إنك والله لأحب البلاد إلى نفسي، إلا أن أهلك أخرجوني” أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وهو من قُتِل عمّه ومثل بجسده، وهو المُعْتدى عليه، ولكن عندما دخل مكة قال صلى الله عليه وسلم : “ما تظنون أني فاعل بكم” ، قالوا : “أخ كريم  ابن أخ  كريم”؛ فعفى عنهم المصطفى ومن عفوه  استطاع أن يبني مجتمعاً إيمانياً صدع الكون بعدله وعقيدته، وتعدّت الحدود وجوده، وتقلبت الأراضي تحت حوافر خيل فرسانه، فأرسى بالمحبة دولة العدل إلاهية.

ولأنني مشفق غلى نفسي وأنا أقرر أن أكتب سلسلة من أعلام بلدي الذين كانوا الأعلام في غير بلدهم نتيجة اختلافهم مع فكر من يحكم بلدهم فاختاروا الهجرة والبُعْد وهم يحملون  الألم والحسرة والشوق إلى البلد الأم، إلا أنهم حفروا أسماءهم في ذاكرة التاريخ، واستطاعوا أن يثبتوا للدنيا أنهم مبدعون، وكان إبداعهم جلياً في البلد الذي آواهم فكانت كلمة “الشاعر” منهم تصدع في أركان الدنيا معلنة عن إبداعه، وكان “النحّات والرسّام” يرسم لوحته لتزيّن أشهر المتاحف، وكان “العالم” يمنح علمه للإنسانية بعيداً عن بلده، وكان “المهندس والمعماري” يبني ويعمّر ويصمّم أحلى التصاميم لتزين بلاد الدنيا إلا بلده،  من أجل ماذا حُرِم الوطن من كفاءتهم، ومن أجل من حُرِمت الكفاءات من وطنهم، من أجل فكرة أو اعتقاد ؟،  أم من أجل رغبة في استعباد العباد ؟!.

في بلدي حرمنا من كفاءات عشنا على سماع أخبارهم دون ان نلمس أعمالهم في بلدهم وهم كثر (عبدالوهاب البياتي، الجواهري، نازك الملائكة، زها حديد، فؤاد سالم، محمود ابو العباس، والقائمة تطول…).

من أجل هذا كله تصارَعْتُ مع أفكاري حاولت أن أثنيها وأن أعرج على أفكار أخرى لتكون ضمن مقالاتي، إلا أنها أبت إلا أن تذكر “أعلام بلادي” في سلسلة مضيئة؛ لتبيّن إبداعاتهم وربما سنجد يوماً أن للفكر احترامه، وللرأي ميزته، وللإبداع مكانه بغض النظر عن توجهات صاحبه ، لأننا خلقنا مختلفين بالأفكار واللغات والشكل، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا على هيئة واحدة، ولغة واحدة، وبلون واحد لما أصبحت الثقافات متنوعة ولا أصبح البشر بأشكال مختلفة وصفات متباينة.

إذن الاختلاف هو حكمة من الله عز وجل ليجعلنا متنافسين في بناء وتعمير هذه المعمورة التي اعترض على وجود الانسان فيها الملائكة متعجبين، والتي جعلت الشيطان أكبر عدو للبشر، وكافراً بأنعم الله، والتي أثبتت أن الإنسان أحسن خلق الله، فأكرمنا الله وجعلنا من المكرّمين وما علينا إلا أن نحترم اختلاف بعضننا لبعض من حيث الفكرة والعقيدة والاعتقاد؛ فلا توجد في هذا الكون أمة تستطيع أن تنهي وجود أمة، وهذه هي حكمة الله في خلقة.

ومن أجل التعريف بتلك “القامات” المبدعة سوف أتناول إبداعاتهم في أجزاء؛ كل جزء من الأجزاء سأسلط الضوء على مبدع منهم، ليتضمن “إن شاء الله” حياتهم وأعمالهم وآخر أخبارهم.

وللمقال بقية…

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى