أصداءأقلام الكتاب

“ألباسي” .. نور سلطان نزارباييـف..

 

الكاتب الصحفي/ أبوبكر أبو المجد

مدير عام التحرير بصحيفة المصرية

رئيس تحرير وكالة أنباء آسيا اليوم

“متخصـص في شؤون دول آسيا الوسطى”

 

ألباسي” .. نور سلطان نزارباييـف..

إحتفلت جمهورية كازاخستان في السادس من يوليو الجاري بعيد ميلاد زعيمها “ألباسي” أو (قائد الأمة) نور سلطان نزارباييف، رئيسها الأول ومؤسس نهضتها الاستثنائية، وممهد طريقها للنجاة من الاضطرابات العرقية والطائفية والحروب العسكرية.

ما أسهل أن يشعر الأدباء ببعض القادة، وأن يفخم الأدباء وأن يبالغ الصحفيون في وصف فعالهم؛ لكنا هنا سنجعل بصمات الرجل على الحياة الكازاخية بمختلف شؤونها هي التي تتحدث عنه.

30عامًا هي مدة تربعه على كرسي إدارة الحكم في كازاخستان، وطواعية وبعد استشارته لدائرة ضيقة من الأشخاص، اتخذ قراره بترك منصبه الرفيع، ليؤصل لفكرة أن كازاخستان هي الباقية والجميع زائلون.

لم يشغله سوى كيفية نقل السلطة بهدوء يحفظ للبلاد استكمال مسيرة نهضتها، فدرس جيدًا مع مساعديه الخطوات التي يجب اتخاذها لضمان انتقال هادئ للصلاحيات إلى الرئيس الذي سيخلفه، وبعدما استكمل حساباته الدقيقة، استدعى التلفزيون الرسمي، وتلا بيان التنحي.

تم طرح تعديل دستوري أُقرّ بالإجماع في البرلمان، ونصّ على منح رئيس مجلس الأمن القومي صلاحيات واسعة، وتعيين “الرئيس الأول” – وهو لقب نزارباييف رسميًا – رئيسًا للمجلس مدى الحياة.

صعد نزارباييف الذي وُلِد عام 1940، في بلدة شيمولغان قرب العاصمة الكازاخية السابقة (ألماتي)، صعد سُلّم النجومية السياسية سريعًا من بوابة عضوية الحزب الشيوعي الكازاخستاني، وتنقل بين المناصب القيادية في الحزب، وعندما بلغ عمره الـ 39 عامًا كان قد وصل إلى أعلى منصب حزبي في جمهورية كازاخستان السوفيتية.

ظل نزارباييف الوجه الأبرز في كازاخستان منذ عام 1984، عندما عُيّن رئيسًا لوزراء الجمهورية السوفيتية السابقة، وفي عام 1989 شغل منصب سكرتير (أمين عام) الحزب في الجمهورية مع رئاسته للبرلمان، وكان هذا أعلى منصب في الجمهورية إبان العهد السوفيتي، قبل أن يُنتخب رسميًا رئيسًا للبلاد في 1991.

ويُحسَب للرئيس المتنحي أنه جنّب بلاده كثيرًا من الويلات التي شهدتها الجمهوريات السوفيتية الأخرى، ومنها الحروب الأهلية، وبروز النزعات الانفصالية وتصاعد التهديدات الإرهابية.

فلقد ظلت كازاخستان تتمتع بهدوء واسع واستقرار سياسي على مدى العقود الماضية، كما تمتعت باستقرار اقتصادي مكّنها من التحوّل إلى شريك أساسي لروسيا والصين، ولاعب أساسي في المنظمات الإقليمية والدولية.

فاليوم تحتضن كازخستان مكاتب لأكثر من 170 شركة من 18 دولة، بالإضافة إلى منصة تحكيم دولية، وجذبت السياسة الاقتصادية لنزارباييف أكثر من 320 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، وهي إنجازات لا مثيل لها بالنسبة للدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي، باستثناء أذربيجان ربما وأوزبكستان.

وعلى مدى نصف قرن، ظل الاتحاد السوفيتي السابق يجري تجاربه النووية على أراضي كازاخستان، وأقام موقعا لهذا الغرض في مقاطعة سيميبالاتينسك، كان يعد الثاني في العالم من حيث الحجم، وأجريت فيه 450 تجربة نووية عانى منها ولا يزال أكثر من مليون ونصف المليون نسمة.

‪نزارباييف فضل التخلي رغم مغريات الاحتفاظ بالسلاح النووي (الأوروبية)، فالتركة النووية التي ورثتها كازاخستان جعلتها رابع أضخم ترسانة نووية في العالم، ومن ثم فإن التخلي عن تلك الترسانة كان قرارًا إستراتيجيًا بالغ الصعوبة والتعقيد.

وفي كتابه “قلب العالم” يصف الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف تلك المرحلة قائلًا : “كان يتنازع فيها تياران مؤيد للتخلي ومعارض له” .. وحسم نزارباييف الأمر مقررًا التخلي عن الترسانة النووية ووقف التجارب في سيميبالاتينسك، معتبرًا أنها ستضر بالدولة المستقلة حديثًا أكثر مما ستنفعها، و‪بدلًا من الصواريخ النووية فإن كازاخستان تحتضن محطة عالمية لرحلات الفضاء.

ومنذ 20 عامًا نفذ نور سلطان نزارباييف إصلاحات عميقة، منها ما هو دستوري، وقانوني، وسياسي، واقتصادي.

فقد نما الاقتصاد بسرعة كبيرة ومتواصلة، حيث تحتل كازاخستان المرتبة الخامسة والعشرين في التصنيف العالمي للدول الرائدة في ممارسة الأعمال التجارية.

ووضع نزارباييف استراتيجية لـ”كازاخستان – 2050″، بحيث تكون ضمن أكبر 30 اقتصادًا في العالم، كما أسس الزعيم الكازاخي لنهضة إنشائية وحضارية حديثة كان عنوانها العاصمة الجديدة التي أسسها قبل 22 عامًا، وهي أستانا، التي أصبح اسمها الآن نور سلطان، تمجيدًا لما قدمه الرجل لبلاده.

وتحتضن كازاخستان أكثر من 130 عرقية يعيشون في ترابط عظيم، وتستضيف على أرضها مؤتمرات قادة العالم والديانات التقليدية.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق