أصداءأقلام الكتاب

أمة تبحث عن قيادة

 

خميس بن عبيد القطيطي

كاتب – سلطنة عُـمان

khamisalqutaiti@gmail.com

من أصعب الأزمات التي تواجهها الأمة العربية اليوم هي أزمة غياب القيادة العربية المحورية ، والتي لا يمكن لأي أمة في التاريخ أن يستقيم عودها ، وأن تمتلك قوتها طالما فقدت قيادتها ، وبالتالي فإن الأمة العربية اليوم في أمس الحاجة إلى ظهور قيادة محورية تستطيع أن تجمع الفرقاء العرب على كلمة سواء في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة ، وهو ما يمثل أولى أولويات النهوض القومي العربي .

والحديث عن العرب هنا لأنهم يمثلون وحدة جغرافية وتاريخية ولغوية واحدة ومصيرا مشتركا ، وللأسف كل تلك العوامل المشتركة لم تشفع للعرب في تفعيل العمل العربي المشترك ، بل أصابهم الكثير من الاختلاف والتشرذم ، وتسللت القوى الخارجية فيما بينهم وفرقتهم وجعلتهم شيعا يكيد بعضهم لبعض ، فتغيرت المفاهيم وأصبح الجار العربي المسلم هو الخصم ، بينما العدو الصهيوني الذي احتل أراضيه ، ونكل بأهله هو الصديق ، فتحولت المواجهة والاقتتال بين العرب أنفسهم بدلا من توحيد جهودهم في مواجهة الأعداء ، فأي بلاء ابتليت به هذه الأمة ؟!
لقد مرت الأمة العربية خلال تاريخها بمراحل متغيرة ، فقد كان العرب يمثلون نواة الأمة المسلمة بظهور سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم في وسط الجزيرة ، واستطاع بدعوته السماوية أن يوحد الجزيرة وما جاورها ، ثم تمددت الخلافة الراشدة إلى ما حولها في بلاد فارس والشام ، بل تجاوزتهما إلى أبعد من ذلك. وجاءت الدولتان الأموية والعباسية لتمثلا الخلافة الإسلامية ، وتمتلكا زمام القيادة بهذه الأمة حتى وصلت إلى حدود الصين شرقا والأندلس غربا ، ثم تراجعت هذه الدولة العربية الإسلامية فتعرضت لاحقا للحملات الخارجية من قبل المغول والصليبيين ، ولكنها سرعان ما كانت تعود بقيادة دويلات سادت في فترات مختلفة من التاريخ كدولة الأيوبيين ، ودولة المماليك ، ودويلات أخرى سطع نجمها وأفل في فترات تاريخية معينة ، واستلمت الدولة العثمانية السلطة والقيادة لفترات طويلة من التاريخ ، وحكمت بلاد العرب بقبضتها القوية ، وما أن ضعفت وتلاشت في ظل صعود قوى أوروبية تمكنت من تقاسم ممتلكاتها بما فيها مناطق المشرق العربي عموما ، فوصل الحال بهذه الأمة إلى احتلال جميع أقطارها من المغرب غربا إلى العراق شرقا في القرن التاسع عشر ، ثم جاءت مرحلة التحرر وقاد الأبطال العظام الخالدون في تاريخ هذه الأمة تلك المرحلة النضالية وتمكنوا ـ بعد تضحيات جسام ـ من أن ينالوا استقلال بلادهم ، وتحقق ذلك في القرن العشرين ، فظهرت الدولة العربية الحديثة الخارجة من رحم الاستعمار ، وتواكب ذلك مع ظهور بعض القادة الأوائل في منتصف القرن العشرين أمثال الزعيم جمال عبدالناصر الذي كان يمثل القيادة المحورية للعرب ، فجمع الفرقاء على طاولة واحدة ، وساند حركات التحرر في الوطن العربي ، وكرس مبادئ ومدرسة ناصرية ما زالت حتى اليوم تعتبر قبلة للأحرار .
ورغم الجدل الذي يدور حول هذه الشخصية التاريخية نتيجة التشويه الممنهج ، إلا أن عبدالناصر أثبت قدراته القيادية للأمة العربية ، اتفقنا او اختلفنا حوله .
فقد كان عبدالناصر يمثل القيادة المحورية الجامعة في تلك الفترة الزمنية ، رغم كل الظروف المحيطة بالمنطقة ، ولم تتوفر تلك المميزات في قائد غيره حتى اليوم كما يرى ذلك الكثيرون ، فقد كانت القاهرة تمثل محورية العواصم العربية ، واستقطبت الحراك السياسي الدولي ، وكأن قوة سياسية كبرى ظهرت في المنطقة العربية ، مما أرق القوى الاستعمارية كثيرا نظرا لتأثير نفوذ عبدالناصر على بقعة جغرافية كبيرة ، بل تجاوز تأثيره إلى عدد من دول العالم الحر المتطلع إلى الخلاص من نير الاستعمار .
وبعد مرحلة جمال عبدالناصر دبت الخلافات بين الأقطار العربية ، حتى وصلت في مرحلة لاحقة إلى مواجهات مسلحة ضربت التضامن العربي في مقتل ، وأدت إلى انفراط عقد هذه الأمة ، وتم اختراق الوطن العربي مجددا من قبل القوى الاستعمارية ، وظلت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ ، رغم محاولات بعض القادة العرب تبوؤ تلك المكانة القيادية المحورية ، ولكن لم يتأتَّ لهم ذلك ، وما زالت الأمة العربية تتطلع إلى كيفية الخلاص من هذه الأوضاع المستعصية ، وتأمل أن يخرج قائد عربي يوحد الصفوف ويخرج الأمة من هذا التيه الذي عاشته على أرض الواقع .
إن قضية غياب القيادة العربية المحورية لا يمكن حلها بالأطروحات السياسية والتجاذبات الفكرية ، لأنها قضية مكونات بشرية ، يضاف إليها عناصر ومعطيات أخرى مثل محورية الدولة العربية ، ومحورية أدوارها ، وهذا لا يتوفر إلا لدول معينة تستطيع قيادة الركب العربي .
وللأسف الشديد فإن الأوضاع الراهنة التي تمر بالأمة العربية ، لا تبعث الأمل بظهور قيادة مرجعية قومية عربية لقيادة الأمة نحو مستقبل مشرف ، كما أن جامعة الدول العربية التي كنا نأمل قيامها بدورها المنوط بها وبمسؤولياتها التاريخية لم تتقدم للأمام ، فما حدث في ليبيا والعراق مثال شاهد على تراجع وسلبية أدوار هذه الجامعة ، حيث قدمت الغطاء الشرعي للتدخل الخارجي في ليبيا والعراق ، كما أنها تمثل انعكاسا للأوضاع العربية الراهنة ، وما حدث لاحقا من ممارسة نفس الدور السلبي والخطير على سوريا عام 2011م يمثل استمرارا لحالة التراجع ، وأنموذجا لغياب القيادة ، وقد ناشدنا النظام الرسمي العربي في حينه بتبني دوره الحقيقي في إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وعدم دفع الدول العربية نحو المجهول ، ولكن لم تجد تلك المناشدات أذناً مصغية ، وبالتالي فإن وضع جامعة الدول العربية في سياقات الحل الذي يوحد العرب غير ممكن الآن ، فرحم الله أولئك الرجال في مؤتمر القمة العربية بالخرطوم الذي أعقب حرب يونيو 1967م مباشرة ، حين انطلقت اللاءات العربية الثلاث من ذلك المؤتمر (لا صلح ، لا تفاوض ، لا اعتراف) ، فهكذا عندما تمتلك الأمة قيادات تاريخية لم تستسلم للعدو ، بل البدء في مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك لجولة قادمة مع العدو الصهيوني ، فأعدوا العدة على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري ، واستعدت الأمة العربية قاطبة تعززها ثقافة المقاومة ، وأثبت العرب أنهم قادرون على هزيمة ما يسمى بالجيش الذي لا يقهر ، وتحقق النصر بعون الله .
وأخيراً .. تبقى الطموحات مشروعة أمام الأمة العربية بظهور قيادة عربية توحدها ، وتدفعها للنهوض من أجل حل المشكلات المستعصية التي تواجهها اليوم ، واستعادة العمل العربي المشترك ، وإحياء التعاون والتضامن العربي ، والسعي لامتلاك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وهي آمال مشروعة ستتحقق بعون الله .
Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق