أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أمٌّ عـصامـيَّـة !!..

الكاتب/ زايد بن خليفه الشكيلي

 

أمٌّ عـصامـيَّـة !!..

 

كانت في ريعان شبابها تقدم إليها ابن عمها لخطبتها ، كانت لا تملك من الأرحام الا اسرة طيبة هنيئة سعيدة ، كانت كأم عمانية عصامية تتفنن بأساليب التربية لتنتج جيلاً يحمل عمان على قمة راسه عزّاً وفخراً ، كانت كأي أم عمانية تسهر من أجل أن توقد قنديلاً لأبنائها، وتقرب لهم شربة ماء وترعى حاجة زوجها المتواضع بعدد عناء يوم عمل شاق، تدلّك بيدها على ظهرة المنحني من الحمل الثقيل كي يؤمن لقمة العيش لأبنائهما وباليد الأخرى تحمل ذاك القنديل حتى ينتهي صغارها من مذاكرة دروسهم.

أكمل ابنها الأكبر الثانوية العامة وسط فرحة غامرة، فكم كانت تلك الأم تتمنى لو انها تعلمت ” الف ليس له والباء تحته نقطه” أو حتى “أبجد هوّز حطّي كلمُن ….”، ولكن ذلك لم يمنعها من أن تؤدي رسالتها في الحياة، وخاصة أن سلام على عتبات الالتحاق بالمرحلة الجامعية، والأب يكدح من أجل توفير العيش الكريم العفيف المستور لأسرته.

تم قبول سلام في الكلية التقنية العليا، وأصبح بأمس الحاجه إلى توفير وسيلة نقل له حتى يتمكن من الذهاب والإياب لتلقي العلم مما يعني أنه لا بد على الأب أن يعمل ساعات أكثر في الشركة التي يعمل بها، وتقدم بطلب بذلك لإدارة المؤسسة وتفاجأ بالرد بأنه لا يمكن ذلك لأسباب مالية تتعلق بالمؤسسة، ولكن فترة العمل تنتهي عند الساعة السادسة مساءً وبذلك وحتى يصل لمنزله لن يتمكن من القيام بممارسة أي مهنة أخرى، ولكنها الحياة وتحدياتها؛ جميلة بعقباتها وتزداد جمالاً بالعصاميّين كأم سلام.

دنت تلك الأم العصامية من زوجها الذي بدأ التفكير يجره لنوع من الهم، فكيف سيعمل لأبنائه البقية إن لم يستطع تأمين النقل لابنه البكر سلام والذي سيتبعه أخواه طاهر ومصبح بعد سنين قلائل ؟؟!!.

فهمست في أذن زوجها بكل الود : “سأخمل معك الثقل يا أبا سلام” وبوجه تملأه الدهشة والاستغراب من اب سلام والف سؤال في عقله “كيف ذلك” فطلبت منه أن يشتري لها عدة طبخ، وستقوم بإعداد بعض الوجبات وتسويقها وبيعها وبذلك تحاول أن تساند زوجها، فرد عليها ولكن يكفي ما تحمليه على كاهلك من مسؤوليات المنزل والأولاد وأنا.

فأجابته لقد نذرنا حياتنا من أجلهم؛ فلماذا يقودك تفكيرك على ذلك، اقتنع مبدئياً وبعد نقاش اتفقا على أن يعمل بالمؤسسة التي هو بها نصف اليوم، وبذلك سينقص مبلغ الراتب الذي يتقاضاه، ويخصّص نصف اليوم الآخر ليتفرغ لبيع منتجاتهم الأسرية، فأجابته تلك الأم التي لم تتعلم ” A, B, C, D” كذلك : لا تفعل ذلك الآن؛ دعنا نبدأ وننتظر النتائج، فإن دعت الحاجة على أن تتقدم بذلك فيمكننا أن نقرر ذلك لاحقاً.

إقتنع الأب بذلك وبدأت أم سلام في إعداد ما لذ وطاب واستهدفت أبناء الجيران والأقارب لتوفر لهم وجبة الإفطار يأخذونها معهم للمدرسة وبعد عدة أسابيع قلائل حصلت المفاجأة .. بأن تتلقى أم سلام خطاباً من المدرسة بأن إدارة المدرسة ترغب في أن تتعاقد معها لما تحتويه تلك الوجبات من تصنيف صحي ونظيف ومرتبط بالطعام العماني الأصيل وتلاها بعد ذلك عدة مدارس وزاد الحمل على الأم العصامية ولكنها لم تلجأ إلى أن تترك مجالاً بسيطاً إلى أن يتقدم زوجها للعمل لنصف يوم، فمبدئياً إستغلت الوضع لتربية أبنائها وعلمتهم مالم تتعلمه وما يسمى “Time Management” وتقسيم أوقاتهم بعد المدرسة إلى أوقات للعمل، وأوقات للدراسة، وأوقات أخرى للراحة والمرح، فتربّى طاهر ومصبح على ذلك واستمر سلام في مواصلة دراسته العليا وقد اغدق الله على هذه الأسرة خيراً وفيراً بما انتهجته الأم من تخطيط.

تفاجأ أبو سلام وفي يوم كان قد وصل إلى عمله بأن المؤسسة قد اتخذت قراراً في تقليص عدد العاملين بسبب الأوضاع المالية وكان أبو سلام من ضمنهم وهنا انتابه الكثير من الألم والحسرة؛ فكيف وماذا سينتظره من عقبات؟ نعم لم يكن الدخل بذاك المستوى ولكن كان يغطي بعض الشيء، وعاد إلى المنزل وهو يجر آهات ما تم اتخاذه من قرار، وعند مقابلته لأم سلام أخبرها بذلك ابتسمت ابتسامة كادت تعانق عنان السماء عكس ما كان يعيشه زوجها من ألم، وأردفت تتلو قول المولى عز وجل “وفي السماء رزقكم وما توعدون”، نِعم الزوجة هي فلم تبت تتحسر بأنها لن تستطيع زيارة الصالون أو أن زوجها لم يعد قادراً ان يصطحبها إلى المطعم لتناول وجبة عشاء وسط أجواء رومانسية أو أنها لن تستطيع ممارسة المانيكير وأخواتها ، فيا حسرة على من يهمهن ذلك وينسين رسالة الأم الأساسية في هذه الحياة.

قامت أم سلام بتوجيه الزوج إلى استئجار محل بسيط ليتمكنوا من بيع الأطعمة الزكية فيه.

وهنا نلتمس من هذه الأم العصامية بأنها تمارس التنوع في البيع ومصادر الدخل مؤمنة بمقولة يرددها ابنها سلام سمعها من أحد المحاضرين في أول فصل دراسي له في الجامعة “لا تضع البيض في سلة واحدة”، فالعلم لا يرتبط بمؤهل؛ بل الحياة هي المدرسة الحقيقية التي يجب أن نتعلم منها ومن أخطائنا حتى نفوز بالفلاح، ويجب أن نؤمن إيمانا مطلقاً بأنه إذا انغلق باب؛ يفتح الله ألف باب، والرزق مقسوم، ولكن يحتاج إلى سعي “وما نيل المطالب بالتمني  ..  ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”.

وكوني زوجة رحوم رؤوف عصامية حتى تنتج أسرة تعتز بعمان وتعتز عمان بها.

دمـتـم فـي ود..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى