أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أنا أقـول جَمَـلْ وهـو يقـول جَبَـلْ !!..

الكاتـب/ زايد بن خليفه الشكيلي

 

أنا أقـول جَمَـلْ وهـو يقـول جَبَـلْ !!..

 

 عنوان المقال هو من الأمثال الشعبية العمانية القديمة الجميلة والتي استمدت من تفاصيل وأحداث الحياة ، والمتمعّن لمعنى هذا المثل الجميل سيجد أنه قيل لمواجهة المهاترات والتفاهات وخاصة فيما يتعلق بالنقاش بين طرف وطرف آخر إذا لم يلتزم بالإنصاف في تقديره الفكري والعمل بمبدأ : (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).

يجب على المتحاورين الالتزام بمجموعة من الآداب التي تجعل الحوار حضاريّاً وفعّالاً، وهيَ مجموعة من المهارات الاجتماعيّة الأساسيّة والضروريّة على سبيل المثال لا الحصر والتي تهدف إلى التواصل الإيجابيّ بينَ الأفراد التفكير قبل التحدث ، قراءة لغة الجسد ، حسن الإستماع للطرف الآخر ، التأكد من الموضوع وحجم الإلمام به ، التواضع في الكلمات وأسلوب النقاش ، إظهار الاحترام ، تجنب المقاطعة والانتباه لنبرة الصوت والإيماءات التي قد تبدر من المتحدث تجاه الطرف الآخر ففي حال غياب احد هذه الأركان إن لم يكن جميعها هنا يحدث مالا تحمد عقباه من تنافر وتشاحن وتراكمات قد تنفجر في أي لحظة مستقبلية بين الطرفين  وتعكّر صفو الود بينهما.

إن ما نراه اليوم من أساليب النقاش الحاد والمحاجات التي تدور بين بعض الأعضاء في مجموعة معينة على سبيل المثال الواتس آب حول موضوع قد يقلق الشارع العام ومن جانب قد يكون متوسط الأهمية إلا ان بعظهم وللأسف الشديد ينغمس في نقاشات قد تخرج أحيانا عن محتوى الموضوع نفسه وقد تجد بين ثنايا السطور بعض الكلمات السوقية التي لا داعي لها وهذا إنما هو دليل واضح وصريح بأن هناك ثمة تراكمات بين هذين الشخصين ، وأن النقاشات التي تدور فيما بينهم ليست هادفه بقدر ما هي شخصنة من قبل كل واحد منهم بأنه الأفضل والأشمل والأذكى والمطلع لسفاسف الأمور وهنا دعني أسرد لك عزيزي القارئ قانون الفلترة الثلاثية للفيلسوف سقراط :

قابل رجل سقراط وقال له:  سقراط ، أتعلم ما سمعت عن أحد طلابك؟.
فرد عليه سقراط قائلاً : انتظر لحظة قبل ان تخبرني أود منك ان تجتاز اختبار الفلتر الثلاثي.

فتعجب الرجل قائلاً : الفلتر الثلاثي !!.

فقال له : هذا صحيح ؛ و تابع سقراط قائلاً : قبل أن تخبرني عن طالبي لنأخذ لحظة لنفلتر ما كنت ستقوله.

الفلتر الأول هو الصدق، هل أنت متأكد أن ما ستخبرني به صحيح؟.
فرد الرجل : لا في الواقع لقد سمعت الخبر.

فقال سقراط : حسنا ؛ إذا أنت لست أكيداً أن ما ستخبرني به صحيحاً أو خطأ.

لنجرب الفلتر الثاني، فلتر الطيبة ، هل ما ستخبرني به عن طالبي شيء طيب؟.

قال الرجل : لا على العكس إنه…

فقاطعه سقراط بقوله  :إذن ستخبرني شيئاً سيئاً عن طالبي على الرغم من أنك غير متأكد من أنه صحيح؟
بدأ الرجل بالشعور بالإحراج وتابع سقراط : ما زال بإمكانك أن تنجح بالامتحان، فهناك فلتر ثالث ، فلتر الفائدة ، هل ما ستخبرني به عن طالبي سيفيدني؟

رد الرجل بقوله : في الواقع لا.

فأردف سقراط : إذا كنت ستخبرني بشيء ليس صحيحاً ولا طيباً ولا ذي فائدة أو قيمة، لماذا تخبرني به من الأصل ؟!! ، وعندها لم يستطع الرجل أن يفتح فمه بكلمة واحدة.

كم نحن بحاجة ماسة لأن نتقن مثل هذه التقنيات التي تجنبنا الكثير من سوء الظن بالآخرين عندما يجلب أخبارهم أحد العاذلين ، وكم ستنجينا من الغيبة والنميمة كلما استمعنا إليها من أحد المهرجين ، وكم ستفتح في صدورنا كل الخير عندما نتوقف عن ممارستها ، وكم ستستريح وتنشرح صدورنا لجمال الآخرين من حولنا ، فجميل منا أن ندرك الجانب المشرق والمضيء عن من حولنا ، وأن نحبهم بسلام ، ونشتاق إليهم بود ، ونطمع بلقائهم بشغف ، وعلينا أن نتذكر دوماً وأبداً بأن الجدال غير المقنع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ما هو إلا إثم مكتسب عمداً ، ولا يجلب إلا الضغينة ، ويجب علينا ان نؤمن بأن الطرف الآخر ربما على حق أو حتى ربما يكون إدراكه بسيط ويجب علينا أن نتخذ أسلوب التلقين غير المباشر لتوصيل الخبر الصحيح عن موضوع النقاش ، وللأسف الشديد نلاحظ في وقتنا الحالي إنتشار عادة الكبرياء الحسّية لدى البعض الذين حقاً أحيانا نصل لدرجة الشفقة عليهم لأنهم لم يدركوا قول ابن قتيبة (لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم ، فإن ظن أنه عالم فقد جهل).

أتعلم عزيز القارئ أن الكثيرين ممن يهتمون بممارسة هذا السلوك نطلق عليهم بالعامية أو الدارجة “المجيحدي” ، إن الكثيرين منهم يصلون بأنفسهم وبهذا المستوى من الإفراط في ممارسة هذا السلوك اللعين إلى عاهات نفسية تحيل بينهم وبين تقبل المجتمع لهم وأحياناً أخرى يجدون من الصعوبة الأمر العسير حتى وإن حاولوا علاجه والتخلص منه ، ولكن يجب ألا يأخذ الإنسان بنفسه بمنأى عن الآخرين ، فكم نحن بحاجة لاستشاراتهم ونقاشهم والإستفادة من خبراتهم وكم هو جميل أن يكون الإنسان متسلحاً بالتواضع والرحمة والتراحم مع الآخرين من حوله فهو مكتمل الفكر بهم ومتخلف الرأي دونهم.

وختاما لنكن أكثر أناقة في حواراتنا ومناقشاتنا الإجتماعية والعلمية فهي الوسيلة الوحيدة لما يسمى بالتكامل الفكري بين الأفراد ومنها سنكسب عادات الحوار التي تتحلى بالأدب وتبرز محاسن ونقاط قوتنا الفكرية والحسية ، وهي التي سيرفع مستوى القابلية لشخصنا لدى الآخرين من حولنا ، وأنا متأكد بأنك الآن ستدخل في نقاش مع أحدهم لتريه مستوى الإبداع الخفي بشخصك ومكنونك السلوكي الجميل ، فهنيئاً لك ، ولنكن معاً نرى الجَمَلَ جملاً ونرى الجَبَلَ جبلاً ، ولا أحد منا يغادر المجموعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى