أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أوروبـا كـمـا رأيـتـهـا .. الجـزء (6)..

الكاتب/ عبدالله بن عبدالرحيم البلوشي (ابو عصام)

 

أوروبـا كـمـا رأيـتـهـا .. الجـزء (6)..

 

يأسرك التاريخ ويعود بك الى الوراء ، لترتع في مباهج الخيال وتذكار الأمم الغابرة ، هكذا بدا لنا المشهد في ساحات مدينة روما وأزقتها ورونقها المثير الملفت للزائر ، مما يشاهده من آثار تضرب في عمق التاريخ ، وقسوة أولئك الناس الذين عاشوا على أرضها .

كان لا بد من الفراق والوداع لهذه المدينة البديعة ذات التلال العالية والمتنزهات المتميزة، والأروقة الجميلة.

تخطيطنا منذ أن خرجنا من عمان كان واضحاً جولة شاملة لإيطاليا وأهم مدنها ، ومن ثم نيمم نحو سويسرا وفرنسا.

عوداً إلى ميلان في إيطاليا ؛ كانت الوجهة في صبيحة السادس والعشرين من الشهر الثامن لسنة 2015 ميلادية ، الوجهة الى فيرونا مدينة روميو وجوليت ؛ مدينة صغيرة ذات جمال أخاذ ، زرتها مراراً وتكراراً لحضور معارض الرخام ، وتوافد الشركات التي تعرض بضاعتها من أنحاء العالم ؛ فيها الثمين والغث ، وتعج المدينة في الشهر التاسع من كل عام ، فتبهرك المناظر الخلابة بالألوان الزاهية للرخام والجرانيت وغيرها من المعروضات البديعة.

مثلما اعتدنا كان البكور مقصداً مهما للحركة حتى نصل الى المبتغى ، المسافة لم تكن قصيرة بالمقياس الزمني للسفر والترحال ، خمسمائة واثنان من الكيلومترات.

تذكرت أمراً لم أذكره في أحاديثي السابقة ، أمر قد لا يكون ذا أهمية لدى الكثيرين ، اللباس العماني بالنسبة لي كان مزية ومشهداً حاضراً في كل تنقلاتي من لحظة الوصول إلى إيطاليا إلى ساعة المغادرة منها ، هوية وأصالة ، كان ارتداؤه فرصة للتعريف به ، ولإثارة الفضول لدى الإيطاليين خاصة والسياح من مختلف الجنسيات عامة.

واصلنا السير شمالاً ، بقيادة هادئة بين الأنهار والازهار ، منطلقين فرحين سعداء بهذه الرحلة الممتعة وخلال الرحلة كنا نستمع للأغاني العربية المنوعة ، وكنا نقف لنرتاح بين الحين والآخر ثم نواصل السير ، كانت وقفتنا التالية للغداء قبل الوصول في رابية مرتفعة ، تطل على بحيرة من الماء العذب.

تقدمت منّا النادلة وهي تمشي الهوينا ؛ سألتني :  ( Are you from Oman)  .. هل انت من عمان ؟ أجبتها  (yes) نعم ، How did you know me ? .. كيف عرفتيني ؟ From your dress .. من لباسك ، نعم هو إذن زي مميز لأهل عمان ، ودار بيننا حديث ممتع لا يمل ، مدحت عمان وأهلها لدرجة أنها أخجلتني بكلماتها اللطيفة المنتقاة ، ومنها عرفت أنها ايطالية عاشت في عمان فترة من الزمن ليس بالقصيرة.

كان وصولنا قبل الغروب لمدينة فيرونا ، مدينة ترقد على هضاب على بعد مسافات ليست بالقصيرة من جبال الألب الفاصلة بين إيطاليا وفرنسا وسويسرا .. وصلنا المدينة متعبين ومتشوقين لرؤية ما يمكن أن نراه قبل الخلود إلى النوم لنكمل في اليوم التالي مشاهدة معالم المدينة ، ساحة المطاعم المصطفة في صف مستقيم ، بها من الأطعمة ما لذ وطاب في وسط المدينة القديمة بقرب من ذلك القصر المشيد الذي يوجد به بئر معطلة ، تناولنا عشاءنا مع جملة السياح الإيطاليين والأوروبيين.

اختزلت كثيراً من الأحداث في هذه الرحلة الممتعة ، ولكن دون إخلال في أهمها وأكثرها إثارة ، ودون نسيان ذكر الوقائع المتعلقة بالسفر.

أفقنا في يوم جديد لنواصل المشوار في مدينة فيرونا وهي مدينة تقع في الجزء الشمالي من إيطاليا ، يزورها سنويا مئات الآلاف من السياح ، كثير منهم أجانب ، لغناها الفني والتراثي ، ومناسباتها السنوية ، مدينة تضم ملامح ومظاهر تجمع بين الحداثة والقدم ، لكثرة معالمها التاريخية الهامة بها و تعود أهمية المدينة التاريخية والاقتصادية لموقعها الجغرافي وغزارة الماء فيها ،  مدينة تتسم بالفخامة البالغة ، من منا لا يتذكر او يسمع بمسرحية روميو وجولييت لشكسبير ، فإن المنزل المعروف باسم منزل جولييت يجذب مئات الآلاف من السواح سنويا، تسترجع الذاكرة لمثل هذه الأحداث.

ولا يمكنك أن تتخطى المسرح الروماني المدرّج وقصر باربيري.

فيرونا واحدة من أكثر المدن الفنية بإيطاليا فهي مدينة غنية بالفن مثلها مثل معظم المدن الإيطالية الأخرى ، فن مرتبط بالثقافة الإباحية، ثقافة ارتبطت باللهو والمجون ، حضارة تفتقر الى روح الفضيلة والعلو والسمو ، وتفتقر إلى كثير من القيم والمبادئ الإنسانية والعفّة.

إنتهى وقت زيارتنا لمدينة فيرونا حسب المخطط والجدول المعد لذلك ، وسنستعد لوجهتنا التالية إلى مدينة فينيسيا (البندقية) ، الجزيرة العائمة في اليوم التالي.

فإلى اللقاء في المقال القادم وزيارة جديدة ومشاهدات مشوقة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى