أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أوكـرانيا .. نقـطـة تحـوُّل كبـرى !!..

الدكتور/ محمد السعيد إدريس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

أوكـرانيا .. نقـطـة تحـوُّل كبـرى !!..

 

بعد مضى ما يقرب من أسبوعين على بدء الهجوم العسكرى الروسى على أوكرانيا يجدر أن نتساءل كيف ستكون نهاية هذه الحرب الدائرة الآن بعنف بين الجيش الروسى والجيش الأوكرانى مدعوماً بكميات هائلة من الأسلحة المتطورة الفتاكة ومتطوعين بينهم عسكريين متقاعدين من دول حلف شمال الأطلسى (الناتو) ومن متطوعين إسلاميين (جهاديين) من دول شرق أوسطية.. حرب تكاد تكون بين روسيا من ناحية وحلف الناتو من ناحية أخرى ولو بشكل غير مباشر تلعب فيها دولة أوكرانيا “رأس الحربة”.

الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أكد فى أحد خطاباته أن “روسيا لا تنوى احتلال الأراضى الأوكرانية” كما أكدت المصادر الروسية أن روسيا “تكتفى بإخماد مراكز الخطر والقوة لدى اوكرانيا”.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها “قامت بتعطيل البنية التحتية العسكرية للقواعد الجوية الأوكرانية، بالإضافة إلى إسكات الدفاعات الجوية الأوكرانية”، لكن هذا لا يعنى أن الأمور قد تتوقف عند هذا الحد فى ظل تأكيدات روسية بتفاقم التدخلات الأطلسية فى الحرب ما دعى الرئيس بوتين إلى ثلاثة أمور :

أولها : تحذير أى من الدول التى قد تفكر فى التدخل فى الحرب مؤكداً أن “العقاب سيكون فورياً، وضرورة ألا تساور أحد الشكوك فى ذلك، وأن الهجوم المباشر على روسيا سيؤدى إلى عواقب وخيمة على المعتدى المحتمل ونتائج لم يواجهها أبداً فى تاريخه”.

ثانيها : وضع قوات الدفاع الاستراتيجى (النووية) فى حالة تأهب قصوى.

هذا التوجه جاء رداً على معلومات روسية مؤكدة تتعلق بتطلعات الرئيس الأوكرانى فلاديمير زيلينسكى لاستعادة القدرات النووية لأوكرانيا من ناحية، وبتلميحات أطلسية (بريطانية خاصة) بالتدخل العسكرى ودعوات فرض منطقة حظر جوى على أوكرانيا بما تعنيه من احتمالات مؤكدة لمواجهة مباشرة روسية – أطلسية على الأراضى الأوكرانية.

الأمر الثالث والأهم : إعلان الرئيس بوتين أنه “إذا واصلت كييف التصرف بالطريقة الحالية، فهى تضع على المحك وجود الدولة الأوكرانية كله”.

بوتين أوضح أن “سلطات كييف استمرت فى التنصل من الاتفاقيات المبرمة طوال السنوات الماضية، وقتلت نحو 13 ألف روسى يقيمون فى منطقة الدونباس داخل أوكرانيا”.

لم يكتف الرئيس الروسى بالتلويح بتعديل هدف العملية العسكرية الراهنة من عملية محدودة تستهدف تدمير البنية التحتية للدولة الأوكرانية ونزع سلاح الدولة الأوكرانية وبالتحديد “نزع عدوانية الدولة الأوكرانية ضد المواطنين من أصل روسى فى منطقة الدونباس وضد روسيا نفسها إلى تدمير الدولة الأوكرانية، بل حذر الغرب من الاستجابة لدعوات تصعيد الحضور العسكرى فى أوكرانيا من خلال التوجه لفرض “منطقة حظر طيران”، وقال : إن “فرض الحظر فوق أوكرانيا ستكون له عواقب وخيمة ليس على أوروبا وروسيا فقط بل وعلى العالم كله”، مؤكداً أن بلاده ستتعامل مع أى تطور “مهما كانت الجهة التى تشارك فيه وبصرف النظر عن أنها عضو فى أى تحالف”، والتحالف المعنى هنا هو حلف الأطلسى بالتحديد، أى أنه مستعد للمواجهة مع الحلف الأطلسى نفسه.

ماذا يعنى هذا التصعيد الروسى ؟ هل يمكن أن تحدث المواجهة الروسية – الأمريكية ؟.

المتحدثة باسم البيت الأبيض الأمريكى جين بساكى كررت أن الرئيس الأمريكى جو بايدن “كان واضحاً للغاية فى أنه لا ينوى إرسال قوات أمريكية لخوض حرب مع روسيا”، وتابعت “أعتقد أن المهم أن نلاحظ هنا أن هذه (الاستجابة لمطلب الرئيس الأوكرانى بفرض حظر طيران على أوكرانيا) ستكون خطوة نحو ذلك (أى إرسال قوات أمريكية للقتال فى أوكرانيا)، وهو ما سيكون نزاعاً مباشراً، وربما صراعاً مباشراً، وربما حرباً مع روسيا، وهو أمر لا نخطط لأن نكون جزءاً منه”.

إذن ماذا يريد الأمريكيون وحلفاؤهم الأوروبيون سواء فى الحلف الأطلسى أم خارجه مثل السويد وفنلندا وسويسرا .. الدول المحايدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التى كشفت عن ميول وحوافز للتورط فى الحرب الحالية إلى جانب أوكرانيا سواء بالسلاح أم بغيره من وسائل الدعم؟

فى أواخر عام 2019 كان الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون قد اعتبر أن حلف شمال الأطلسى بات فى حالة “موت دماغى” الآن بعد كل الإهانات التى كان قد وجهها الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب للحلف، وضمن تداعيات الأزمة الأوكرانية تغيرت الأمور كثيراً، حيث خطط الرئيس الأمريكى الحالى جو بايدن، ومنذ مجيئه للحكم عام 2021، إلى تطبيع علاقات بلاده مع الحلف، وجعله (أى الحلف) جزءاً من صراع النفوذ الاستراتيجى مع الصين، الأمر الذى ترددت الدول الأعضاء فى قبوله باعتبار أن هذه ليست من مهمات وأسباب تأسيس الحلف الذى نشأ لمواجهة الاتحاد السوفيتى، لكن أزمة أوكرانيا دفعت بالحلف إلى ما كان يريده الرئيس الأمريكى، فعاد الحلف إلى دوره التاريخى  فى مواجهة موسكو، وزاد تماسكه مع كل تطور يحدث فى الأزمة الأوكرانية، وخصصت الدول الـ 27 أعضاء الاتحاد الأوروبى نصف مليار يورو لتوفير أسلحة إلى أوكرانيا فى إجراء تاريخى أوروبى.

المفاجأة الكبرى جاءت من ألمانيا حيث اتخذ المستشار الألمانى الجديد قرارات تشكل انفصالاً تاريخياً مع عقيدة ألمانيا (الغربية) بعد الحرب العالمية الثانية حيث قامت بتسليم أوكرانيا أسلحة فتاكة، وتخصيص 100 مليار يورو لتحديث المنظومة الدفاعية ما يعنى أن الغرب أخذ يتكتل كله فى مواجهة روسيا انطلاقاً من الأزمة الأوكرانية، ما يعنى أيضاً أن ما سوف تنتهى إليه هذه الحرب ستساهم فى إعادة رسم وهندسة النظام الدولى كله، باعتبارها ستكون نقطة تحول كبرى فى مجريات الصراع الدولى.

قراءة وتحليل الخطاب السياسى الروسى تقول : إن روسيا قررت “ألا تجلس، مرة أخرى، فى مؤخرة الحافلة” التى تقود النظام العالمى تأكيداً لما سبق أن أعلنه الرئيس بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للأمن الأوروبى فى فبراير 2007 بأن روسيا “لم تعد على استعداد لقبول عالم القطب الواحد وانفراد قوة بعينها بمقادير العالم”، وكشفه أن روسيا “فى سبيلها إلى استعادة موقعها على خريطة السياسة العالمية”، وعلى العكس تماماً تسعى الولايات المتحدة إلى كسر الإرادة الروسية وإزاحة روسيا من المنافسة على الزعامة الدولية والدفاع حتى الاستماتة عن تفرد الولايات المتحدة بهذه الزعامة، وهم فى واشنطن، وبالذات تيار المحافظين فى الحزبين الجمهورى والديمقراطى، مدعومين بالمتشددين فى بريطانيا يعملون على توظيف الأزمة الأوكرانية الحالية لتحقيق هدفين :

أولهما : قطع أى تواصل محتمل بين روسيا وأوروبا، والدفع بالأزمة الأوكرانية إلى المزيد من التفاقم لتحقيق قطيعة أوروبية وخاصة ألمانية مع روسيا خشية من حدوث كارثة اقتصادية أمريكية يمكن أن يحدثها صعود اقتصادى ألمانى خاصة وأوروبى عامة بسبب خط الغاز الروسى “نورد ستريم – 2”.

وثانيهما : توظيف الأزمة لإحداث تحولات جذرية داخل روسيا تؤدى إلى إسقاط الحكم فى موسكو، وإلى فرض حكومة وسلطة روسية بديلة ومطواعة للإرادة الأمريكية للتخلص نهائياً من النظام الروسى الحالى.

من سيكسب الرهان على المستقبل موسكو أم واشنطن ؟ هذا هو السؤال الذى سوف تجيب عليه تداعيات وتطورات الأزمة الأوكرانية والتى لم تتكشف جُلّ معالمها بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى