أصداء وآراء

أولادكــم ليـسـوا لكــم !!..

الكاتـب/ د . محمد بن ناصر الصوافي

 

أولادكــم ليـسـوا لكــم !!..

 

من عجائب القدر بل قل من محاسن الصدف أن تجد نصًا لكاتب عربي راقٍ في كتاب أجنبي مترجم للغة العربية، هذا ما بدا لي حين سقط بين يدي كلمات للأديب اللبناني جبران خليل جبران داخل كتاب “المدخل إلى الإرشاد النفسي” لمؤلفه (البروفيسور مايكل نستول)، وترجم هذا الكتاب للعربية الدكتوران: مراد سعد وأحمد الشريفين.

كلمات سقطت على قلبي بلسمًا ودواء، وَيُخَيَّلُ إليَّ أنها سوف تقوم بالمفعل نفسه على قلب كل مربٍّ يصارع الأمرين في سبيل تربية أبنائه في هذا العصر الذي غلب عليه الجانب التقني والرقمي.

والكلمات هي :

“… ثم دنت منه امرأة تحمل طفلها على ذراعيها وقالت له : هات حدثنا عن الأولاد.

فقال:

أولادكم ليسوا لكم، أولادكم هم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم.

ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم.

أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم؛ لأن لهم أفكارا خاصةً بهم.

وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم؛ ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم؛ فهي تقطن في مسكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم.

وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم، ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم، لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء، ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.

أنتم الأقواس، وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم، فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية، فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى.

لذلك: فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة؛ لأنه كما يحب السهم الذي يطير من قوسه، هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه”.

كلمات كتبها جبران خليل جبران قبل قرابة قرن من الزمن وبطريقة شاعرية في كتابه الموسوم “النبي”، كتاب يدعو للأمل والتفاؤل، الكتاب الذي كتب باللغة الإنجليزية وترجم إلى أكثر من خمسين لغة، والذي صنفه الكتَّاب في حينه من روائع الأدب العالمي.

من خلال استقراء هذا النص يظهر جليّاً أن تربية الأبناء ليست بالأمر اليسير والسهل، فيسعى الوالدان لتعديل سلوك أطفالهم وتنشئتهم تنشئة قويمة، متسلحين بالعلم والمعرفة، ولكن هيهات هيهات لدى الكثير من الأبناء، فما إن يشتَّد عوده ويقوَ ساعده إلا وانبرى لك شخص آخر، تعجب كل العجب في تصرفاته وسلوكه.

ومن بين ما يقض مضاجع الآباء والأمهات في الوقت الراهن ما يحيط بالأبناء من مغريات الحياة في عصر ثورة التواصل التقني، الذي مكّن بعض الأفراد من خلق علاقات جديدة عبر مجموعة من المجتمعات الافتراضية، وخاصة فيما يتعلق ببعض الألعاب الإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية، مما انعكس ذلك على تصرفاتهم وسلوكهم، وطبيعة علاقتهم فيما بينهم وبين أسرهم ومجتمعاتهم، واستخدام بعض الكلمات والمصطلحات الخاصة بهم، فأنشأ منهم أفرادًا انطوائيين قابعين داخل غرفهم وعالمهم الافتراضي، مما كان له الأثر الأبرز في نفسيّات آبائهم وعجزهم عن التعامل معهم، ومد جسور التواصل فيما بينهم.

…إذن ما الحل ؟؟

بداية يجب أن تعي الأسرة وتؤمن بتأثير هذا الانفجار التكنولوجي في العالم، وأن العالم يخطو للأمام ولا يرجع القهقرى، وأن هذا الانفتاح يؤثر في سلوك الأبناء وقيمهم وثقافاتهم شئنا أم أبينا.

لذا علينا معرفة كيف نتعامل نحن معاشر الآباء مع هذا الانفتاح، من خلال بناء العلاقة الجيدة معهم ليتسنى لنا معرفة كل جديد في حياتهم، مع تعلم الحد الأدنى من المعرفة الرقمية التي تيسر لنا فهم عالمهم، وإعطائهم الفرصة الكاملة للتعبير عن عالمهم الخاص، وأن نطلب منهم المشاركة في بعض المشكلات التي توجهنا في هذا المجال كاستخدام بعض التطبيقات في هواتفنا وحواسيبنا، ولا ننسى أهمية تقوية الوازع الديني والرقابة الذاتية.  

وفي هذا الصدد نشرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية مجموعة تجارب لآباء وأمهات أطفال في سن المراهقة، رأى فريق منهم أهمية منع أبنائهم من استخدام الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي منعًا باتًا، بينما اقترح الفريق الآخر منهج التدرج في استخدام أبنائهم لهذه الوسائل، ولكن في نهاية المطاف اتفق الطرفان على ضرورة المتابعة والنقاش المنفتح والحر مع الأبناء حول ما يتابعون ويشاهدون في هذه الوسائل.

وأختم هذا المقال بعبارة سقراط : “لا تجبروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، والتي ينسبها بعضهم خطأً إلى الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى