أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

أول الغـيـث قـطـرة..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلماني

 

أول الغـيـث قـطـرة..

 

الغيث يبدأ بقطرة ثم ينهمل بعد حين، هي قطرة لكن تحمل البشرى والتفاؤل بقدوم الخير، فتلك القطرة الصغيرة التي قد لا يشعر بها أحد ولا يعيرها اهتماماً ستعقبها قطرات ثم تصبح غيثاً لا محالة، فرغم ضآلتها إلا أنها تخبرنا بجمال البدايات ولطافتها، كبداية الصبح وكأول خطوة لرضيع وكأول يوم لطفل في المدرسة وكأول تجربة لقيادة سيارة وكبداية شهر جديد، لذلك لا تستصغر الأشياء مهما بدت صغيرة أو متناهية في الصغر، وهي مشابهة إلى حد ما لمقولة الزعيم والفيلسوف الصيني ماوتسي تونغ “رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة” التي تدعو إلى السير خطوة بخطوة في مسارات الحياة للوصول إلى الهدف وعدم استصعاب أمر مهما كان بعيد المدى، ولا بد من التوكل على الله والعمل بجد والصبر على الصعاب والمتاعب وتخطيها بقوة وشجاعة.

من كان يتخيل أن الإنسان سيسخر الجمادات ويخضعها لخدمته، وأنه سيجعل الحديد يتحرك ويطير لينقله من مكان لآخر، وأنه سيتمكن من نقل الصوت من قارة لأخرى ليلغي المسافات بين القارات والبحار والمحيطات خلال أجزاء من الثانية، من كان يتصور أن الإنسان رغم محاولاته وإخفاقاته سيتمكن من نقل الصورة لملايين الكيلومترات بطرق لاسلكية، ومن كان يتخيل أن العقل البشري سيتمكن في يوم من الأيام من التحكم بالآلات والأجهزة عن بعد وتزويدها بالقدرة على العمل بشكل ذاتي، كل تلك الأشياء لم تكن وليدة الصدفة ولم تأتي دفعة واحدة، ولكنها بدأت بقطرة واحدة وخطوة تلتها خطوات والكثير من التجارب والمحاولات واستغرقت لسنوات ثم انهمرت كالغيث لتيسير حياة البشر.

إذا كنت ترى أن الطريق لتحقيق أحلامك والوصول لأهدافك صعب ووعر لا بأس يجب أن تسلكه وتمهده شيئاً فشيئاً لتهزم وعورته ليس لأنه قدرك أو اختيارك ولكن لأنك قوي بما يكفي لاجتياز ما يتخلله من عقبات وأشواك؛ لأنها ستصبح مجرد تجارب واختبارات كفيلة بجعلك أكثر قوة وترسخ إيمانك بانهيار المستحيل أمام الوزن الثقيل، فالطموح يبدأ صغيراً ثم يكبر مع الوقت بالعمل والإنجاز، والموهبة تبدأ صغيرة ثم تنمو وتصقلها الممارسة، وأن الآلاف من الأفكار المبدعة يمكن أن تولد من خلال فكرة صغيرة، فالتدرج من القوانين الإلهية المحكمة لتوازن الكون، فالشجرة الكبيرة كانت بذرة والعجوز كان شاباً فتياً والشاب كان طفلاً والبدر كان هلال والشمس تتدرج وقت شروقها وغروبها، والبنايات الشاهقة بدأت بحجر أساس والكتاب كان مجرد كلمة على ورقة.

البدايات دائماً مهمة كونها خطوة جريئة تشف عن إرادة وعزيمة، لكن النهاية بلا شك ستكون عظيمة؛ لذلك مهما كانت البداية بسيطة ومتواضعة عليك أن تواصل لتصل إلى أهدافك المنشودة، ثم لتنعم بالنجاح بعد الكثير من الإخفاقات التي ستعمل على صقلك ومنحك خبرات تراكمية من خلال تدرجك في مراحل مختلفة واتخاذ خطوات متتابعة في كل شؤون الحياة، لذلك اطرح فكرة فربما ستجد من يرعاها وتصبح مشروعاً ضخماً يدر أرباحاً طائلة، ازرع بذرة فغداً ستصبح شجرة يتفيأ الناس والحيوانات والطيور ظلالها ويأكلون ثمارها، اكتب كلمة فربما تلهم شخصاً أو تدل تائهاً على الطريق، مد يدك فربما تنشل روحاً من الهلاك، لا تستحقر شيئاً مهما كان قليلاً فقد يأتي بنتائج أكبر مما تتوقع، فقط أنظر للحياة بإيجابية ثم بادر وتوكل على الله.

إن القطرة التي ستصبح غيثاً تعلمنا أن التدرج في مختلف جوانب الحياة أمر طبيعي، وكذلك الحال عند تحديد الأهداف والطموحات والبدء في العمل على تحقيقها تدريجياً من خلال استغلال الفرص هو أساس النجاح، فلا شيء يتحقق بين ليلة وضحاها وبلا جهد، من المهم جداً أن تسعى وتوثق إنجازاتك بغض النظر عن حجمها وتفخر بها تلك الطريقة كفيلة بتحفيزك لتحقيق المزيد ولتعلم كيف كنت وكيف أصبحت وإلى أين وصلت، ولتدرك حجم التغيير الذي طرأ على حياتك من خلال المقارنة بين أجندتك السابقة والحالية، ولتتأكد أنك تسير في المسار الصحيح ووفقاً للخطة التي رسمت.

إن القطرة التي سقطت لم تكن بلا فائدة، ولكنها قد تكون روت نملة أو نبتة صغيرة، وعطرت الأجواء برائحة الأرض هي بمثابة غيضٌ من فيض، وقد يكون مفعولها مثل الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفروعها في السماء، فالكلمة الطيبة قد تزيل هماً أو تسعد قلباً أو تجدد أملاً أو تغير مجتمعاً، ورغم أنها قطرة ولكني أوقن أنها ستصبح غيثاً خلال لحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى