أصداء وآراء

أيتها الأمّة النائمة .. جنرال الشرق الأوسط آيزنهاور..

 

الكاتـب/ عـبـدالعـزيـز بـدر القـطان

باحـث ومفكـر وقانـونـي – الكويـت

 

 

أيتها الأمّة النائمة .. جنرال الشرق الأوسط آيزنهاور..

 

لم يكن يوماً الشرق الأوسط إلا على طاولة البحث الأمريكية، على تعاقب رؤسائها وعلى اختلاف أحزابهم سواء كانت ديمقراطية أم جمهورية، يختلفون داخلياً، ويتفقون حيال سياسة موحدة تضرب عمق الشرق الأوسط، فلقد كان مبدأ آيزنهاور تعبيراً صريحاً عن سياسة بلاده تجاه الشرق الأوسط، قدمه في العام 1957 كمقترح أمام الكونغرس الأمريكي ليكون لها دوراً اقتصادياً وعسكرياً في المنطقة.

لم تكن الاستراتيجية الأمريكية إلا طامعة ومستغلة لأي ظرف يخدم مصالحها، ومع انتهاء حقبتي الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، سارعت واشنطن إلى بناء استراتيجيتها الشاملة في الشرق الأوسط من خلال استمالة كل الضباط الأحرار في تلك الحقبة، وفي ضوء غموض حول شكل السياسة الخارجية الأمريكية التي كانت موجهة بشكل صريح ضد الاتحاد السوفيتي، وتم تفعيل خطة “ألفا” والتي اعتبرت  الاستراتيجية الأميركية السرية حول الشرق الأوسط من  يناير/ كانون الثاني 1955 لغاية مارس/ آذار 1956 اعتمدت في جوهرها على مبادئ  للتسوية السلمية بين مصر وما تسمى “إسرائيل”، والحد الأدنى من التنازلات “الإسرائيلية” مع الدعم الغربي الاقتصادي والمعنوي لمصر الذي سيؤدي الى جعل العرب مع التسوية السلمية مع ما تسمى “إسرائيل” بضمان الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد تضمنت هذه الخطة انسحاب ما يسمى “إسرائيل” من مناطق على حدود الأردن ومن النقب وفتح ممر لمصر الى الأردن وممر آخر لـ “إسرائيل” إلى البحر الأحمر.

إن رسم مثل هكذا سيناريو بدقة متناهية، يجعلنا نتوقف لوهلة لحجم العقل الغربي وما يكيل ويحيك لنا، ويجعلنا نتوقف لوهلة أين هم العرب من هذه المكائد والخطط السرية الخطيرة؟ فإذا كانت تلك العمليات السرية مطروحة منذ منتصف القرن الماضي، نكون اليوم أمام إنجازات هذه المخططات التي دخلت مرحلة التنفيذ منذ زمن طويل، ونحن في غفلةٍ من أمرنا، وعلى الرغم من محاولة استمالة الزعيم جمال عبد الناصر في تلك الفترة من جانب واشنطن، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، ولم تضيع الوقت، مباشرةً بدأت تعمل على إسقاطه لتشكيله خطراً كبيراُ عليها، وانبثقت خطة عرفت باسم خطة “أوميغا” كانت بين آيزنهاور وآيدن (رئيس وزراء بريطانيا الجديد) آنذاك، والتي تضمنت تغيير سلوك النظام وليس تغييره، من مبدأ أن عبد الناصر لا يمكنه أن يوثق التعاون والعلاقات مع السوفييت مع التمتع في الوقت نفسه بمعاملة مميزه من أمريكا، وتضمنت خطة “أوميغا” أيضاً دعوة لإيقاف المساعدات لمصر بالتزامن مع مضاعفة المساعدة للدول التي تناهض عبد الناصر في المنطقة، من دون أن  تصل الأمور الى المواجهة المباشرة، أملاً بأن يعود عبد الناصر إلى العلاقات المميزة مع الغرب. كما تضمنت الخطة العمل على إبعاد المملكة العربية السعودية عن مصر ودعم الملك السعودي وإظهاره كقائد عربي بديل، فأصبحت الرؤية الأشمل لآيزنهاور بألا تلعب واشنطن دور  الوسيط بين العرب وما تسمى “إسرائيل”، وإنما أن تكون قوة توزان في المنطقة العربية.

ومع ما حدث في تلك الفترة وما تلاها من صراعات وحروب، وفشل الخطط الغربية هنا ونجاحها هناك، لك يتوقفوا يوماً عن تحضير الخطط وبدائلها حتى الفشل لم يكن موضوعاً على قوائمهم، وبالتالي إن التغيرات التي طرأت على الاستراتيجية والتي اتبعت فيها أمريكا سياساتها فيما بعد، تضمنت سياسة “فرق تسد” في المنطقة العربية، مستغلة سلوك العرب الانقسامي، وما اتبعه آيزنهاور فيما بعد من خطة “أوميغا” بالعمل على التفرقة بين عبد الكريم قاسم في العراق وعبد الناصر، إضافة الى أن الشعور بالندم في ما يخص أزمة السويس، دفعه الى دعم ما تسمى “إسرائيل” وتقديم ضمانات سرية لمساندتها ضد سوريا ومصر. وكان لتوصيات آيزنهاور دور مؤثر ومهم في سياسات الإدارات الأميركية التالية وبالأخص إدارتا الرئيسين جونسون ونيكسون.

وهنا لا بد أن نستشهد بالمفكر الكبير “نعوم تشوميسكي” الذي يقول: (السياسات الأمريكية الفاعل الأصلي في ظاهرة الإرهاب “الإرهاب الإسلامى”، سواء بتحالفاتها الإسلامية والعربية المتناقضة، أو بسبب القتل والدمار الناتجين عما يسمى بالحرب على الإرهاب، وبالطبع بسبب قضية فلسطين كصراع بين ما تسمى “إسرائيل” كطرف يضطهد الشعب الفلسطيني تسانده الولايات المتحدة على طول الخط، وبين طرف مضطَهَد وهو الشعب الفلسطيني).

من هو آيزنهاور؟

هو دوايت أيزنهاور، أو “آيك” وهو رئيس من الحزب الجمهوري وحكم أميركا خلال الفترة من عام 1953 الى 1961، استلم الحكم خلفاً للرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان، بفوز كاسح في انتخابات عام 1952، وقبل فوزه بمنصب الرئاسة كان يشغل رئيس أركان قوات التحالف خلال الحرب العالمية الثانية، ولعب دوراً بارزاً في تحرير فرنسا واجتياح الأراضي الألمانية، كما أنه أول قائد لقوات حلف شمال الأطلسي – الناتو في عام 1949.

هذا الرئيس كان قد أصدر كتيّب عن السياسة الأميركية تجاه  ما يسمّى “إسرائيل”، ومما جاء فيه : (“إسرائيل” ولدت بعد الحرب العالمية الثانية وقامت لتعيش مع غيرها من الدول التي اقترنت مصالح الولايات المتحدة بقيامها)، ورغم ما قيل عنه عن أنه حرص على تخفيف حدة التوتر والمحافظة على السلام العالمي، إلا أن اسمه ارتبط بما عرف بسياسة “ملء الفراغ” في الشرق الأوسط، أو ما سمي بـ “مبدأ آيزنهاور”.

أخيراً، أن تلخص السياسة الأمريكية في مقال، أو أن تلخص مسيرة ورحلة رئيس واحد، تحتاج إلى مقالات طويلة، ففي كل حدث كان هناك مخطط، وفي كل نكبة حدثت كان للولايات المتحدة دور ويد، وفي كل أزمة فتّش عنها، السياسات المتعاقبة لم تكن يوماً لصالح العرب، ولم تكن يوماً ترى المسلمين شركاء أو حلفاء، بل تراهم عدو يجب إضعاف قدراته ونشر الطائفية بين العائلات الواحدة، أقول بكل وضوح وصراحة، لقد نجحت إلى حد كبير، لكن إذا كان للباطل جولة فللحق جولات كثيرة، لم يفت الأوان، لأن نصنع سياستنا ونحافظ على سيادتنا، أن نرتقي لأننا أمة راقية لها حضارة لا أمة مارقة محتلة، نحن الأقوى إيماناً والمتسلحون بالعزيمة، لنصنع فلسفتنا الخاصة بنا، ولنقارع كل من يريد تدميرنا، بوحدتنا قوة، وبتفرقنا الهوان والانحطاط.

لم تكن الأمة العربية آنذاك تمتلك هوية عربية جامعة، لقد فقدتها مع انهيار الدولة العثمانية وأصبحت حالة الانقسام هي العليا، على الرغم من وجود رؤساء كثر في تلك الحقبة أرادوا الوحدة العربية لكنها اصطدمت بحائط المكائد الغربية وزرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية، وللأسف لم يعتبر أحد من بلادنا بل دعموا هذا الكيان المارق على حساب كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى