أصداءأقلام الكتاب

أيـام مـن كـورونـا..

 

فاطـمة بنت خلـفان المعـمـري

أيـام مـن كـورونـا..

الوقت : الثامنة مساء يُدَوّي خبر بين أفراد الأسرة مفاده أن خلود، عفواً الدكتورة خلود قد تكون مصابة بفيروس كورونا، وبأنها الآن في المستشفى يجرى لها بعض الفحوصات الطبية، وهذا الأمر طبيعي خاصة في الوقت الراهن، فالطاقم الطبي في المستشفيات أكثر عرضة لهذا الفيروس، لأنهم خط الدفاع الأول، إلا أن الوضع في البيت يخيم عليه التوتر، فكان الأخ الأكبر وليد يجري اتصالات متكررة حول ضرورة قيام عاملات المنزل والجميع بتعقيم البيت، وخاصة الجناح الذي يضم غرفة الدكتورة خلود، فتحول البيت إلى شبه جناح من أجنحة المستشفيات، يستنفر فيه الطاقم الطبي كل طاقاته، وانتشرت رائحة المعقمات في كل ركن فيه، الجميع في البيت في حالة من الرهبة والخوف والترقب، أنصت أنا لحظة..!!

ماذا أسمع ؟ إنه صوت الأم موزة تبكي وتتضرع إلى الله بأن لا تكون خلود مصابة بهذا المرض، الذي أصبح المرض القاتل في كل دول العالم، فالقنوات الإخبارية تبث كل يوم كما هائلا من المعلومات المرعبة والمخيفة حول هذا الفيروس، فبسببه تم تعليق الدراسة، وبسببه تعطلت أعمال المؤسسات الحكومية والخاصة، بل وأصيبت الحياة بشلل شبه كامل، فأصبحت المدن خالية من السكان، والأسواق مغلقة.

غريب شأن هذا الكائن الصغير الذي هدد كيان أكبر الدول التكنولوجية والسياسية والاقتصادية نرجع لخلود والبيت والوالدة بعد تعقيم البيت، والمحاولات اليائسة من قبل أمل وحور في تهدئة الوالدة، وأن خلود قادرة على تخطي المرض، كونها لازالت صغيرة في العمر، وهى شابة وقوية ولا تعاني من أمراض مزمنة، كما أنها طبيبة وأكثر معرفة ووعيا، ولكن الوالدة تزيد في البكاء في وسط هذه المشاعر المختلطة بخوف الأم على ابنتها وتمثيل دور القوة من قبل أمل وحور أخواتها أن الأمر سيكون عاديا فلا داعي للخوف والرهبة، فجأة يدخل وليد الصالة في ظل هذا الوضع المشحون، ويحاول أن يخفف من خوف والدته.

بعد قليل يسمع الجميع وقع خطوات مألوفة، فإذا بها خلود وهى تمشي على الدرج، نعم إنها خلود دائما ما كانت خطواتها بطيئة ورزينة، ولا نشعر بها، فكأنها تهمس عندما تمشي. وصلت خلود الصالة وفي وجهها ابتسامة هادئة غامضة والجميع ينظر إليها بخوف وترقب، فإذا بها تبعث الطمأنينة في نفوس الحضور فتقول : لست مصابة بفيروس كورونا، هذه أعراض إنفلونزا موسمية عادية بسبب تغير الجو، عندها قامت والدتها وقالت للجميع بنبرة تأكيد: ألم أقل لكم أن خلود بخير وغير مصابة .. الحمد لله..

تمر الأيام بطيئة جداً فقد فقدنا أبسط مظاهر العودة للحياة، فالخروج لا يكون إلا لضرورة ملحة، وعندما نخرج لابد من أخذ الحيطة والحذر، الكمامات والمعقم والقفازات مع تجنب الأماكن المزدحمة، والزيارات العائلية وصلة الأرحام لا تكون إلا عن بعد، بواسطة تطبيقات إلكترونية، وهذا أدى الى ظهور برامج (كورنية) مخصصة للاستخدام في التباعد الاجتماعي لنستطيع الاطمئنان على الأهل والأصدقاء من خلالها، فأصبح الإقبال عليها أكثر من غيرها، فارتفعت أسهم عدد من التطبيقات إلى أعلى وانخفضت الأخرى.

استمرت العائلة تنتهج نفس النهج في أخذ كل الاجراءات الاحترازية لمنع فيروس كورونا من مهاجمة البيت، إلى ذلك اليوم الذي انصدمت العائلة بالخبر المشؤوم في صباح الأحد عاد يوسف، وهو الأبن الأصغر في العائلة من العمل ودخل البيت وكان ساكنا وهادئا جدا فالجميع كان نائم والجميع لم يتوقع أن يرجع يوسف من العمل باكرا.

إلا أن يوسف إستطاع رؤية أمل فهي تستيقظ باكرا، لتقوم بعملها عن بعد، كما اعتادت كل يوم، فدخل يوسف غرفته، وأخذ يجمع ملابسه في حقيبة صغيرة، ونزل بهدوء وقبل أن يخرج من البيت نادى أمل وقال لها من أسفل سلالم البيت : اليوم قد ارتفعت حرارتي وذهبت الى المستشفى وتم تحويلي للمركز الصحي وقاموا بإجراء فحص كورونا، وقالت لي الممرضة سوف نتصل بك لنخبرك عن نتيجة الفحص بعد يومين، وأنا الآن سوف أخرج من البيت خوفا من أن أكون مصابا بهذا الفيروس، هكذا قال ثم خرج من البيت بنفس الهدوء الذي دخل فيه، أما أمل فقد انصدمت بالخبر وتناولت هاتفها لتخبر أخواتها وأن يوسف خرج من البيت خوفا على من في البيت، بعد دقائق الجميع أصبح على علم بالخبر، وأصبح جهاز يوسف لا يتوقف من الرد على أخوته، أما وليد فقام بتوجيهاته حول ضرورة التعقيم  في البيت، فتحول البيت مرة أخرى إلى جناح من أجنحة المستشفيات، تتصاعد فيه رائحة المعقمات، و يوسف حجز لنفسه غرفة في فندق انتظارا للنتيجة التي تتضح بعد يومين، وخلال تلك الفترة في البيت تمت عمليات العزل والتباعد الاجتماعي بين أفراد العائلة الواحدة، بحيث لا يكون هناك تجمع ، وإنما كل واحد بمفرده ، خوفا من أن يكون يوسف قد نقل الفيروس لأحد من أفراد العائلة، والوالدة موزة أصيبت بخوف ورهبة على ابنها، الجميع كان متوترا وخائفا من هذا الفيروس ومن مهاجمته  للبيت الذي كان يحاول الدفاع عن نفسه وعن أفراده عائلته، وخلال تلك الفترة صدر البيان الأول في البيت والبيان الثاني حول الاستمرار في الاجراءات الاحترازية، وفي ظل هذا حدث توتر بين الوالد مسعود وابنائه، حيث قال لهم في نفس اليوم الذي خرج فيه يوسف من البيت لماذا هذه التعقيدات ؟

ولماذا خرج يوسف من البيت إلى فندق؟ وفي المنزل شقة فارغة، يستطيع أن يقيم فيها يوسف معنا؟ ولكن بعيدا لضمان سلامة الجميع عندها الابناء توقف تفكيرهم أو ان تفكيرهم كان قد توقف منذ لحظة معرفتهم الخبر المؤسف لم يفكروا بهذا الحل، ولكن الوالد مسعود توصل الى الحل الأمثل للجميع فهو يمتلك الخبرة والمعرفة والقيادة وخاصة فن إدارة الازمات، وللتخفيف من ألم الوالدة موزة التي كانت تبكي ليلا ونهارا على ابنها.

مر اليوم الأول، وفي اليوم الثاني رجع يوسف للمنزل للسكن في الشقة بمفرده، حسب توجيهات الوالد مسعود، وفي اليوم الثالث من معرفة الخبر أي انتهاء الفترة لمعرفة نتيجة الفحص كان الجميع ينتظر رسالة من يوسف، لكن الرسالة لم تصل، ويوسف لم يستخدم هاتفه من فترة، ربما كان نائما، هكذا قال الجميع، ولكن الوقت تأخر وأصبح الوقت ظهرا، فما كان من أمل الا الذهاب إلى الشقة ودق الباب مرارا وتكرارا، ولكن لم يجبها أحد، رجعت أمل خائفة مضطربة مما حدث، وأخبرت الجميع أن يوسف لا يجيب على الاتصالات، ولم يرد عليها عندما طرقت باب الشقة عليه، ربما تم إخباره بالنتيجة وهو لا يريد أن يخبرنا، ربما وربما بعد دقائق اتصل يوسف وصوته يشير على أنه كان نائما وقال : لم يتصل به أحد إلى الآن.

فمر هذا اليوم كئيبا جدا على أفراد العائلة، فبادرت حور واتصلت بالمركز الصحي وردت عليها إحدى الممرضات أن النتيجة قد تظهر خلال يومين او ثلاثة ايام وانها لا تعطي النتيجة الا لصاحبها من باب الخصوصية في المعلومات للمريض فما كان عليهم إلا الانتظار لليوم الرابع وفي اليوم الرابع من الصباح الباكر أرسل يوسف رسالة الحمد الله لست مصابا بفيروس كورونا أخبروني بالنتيجة فالحمد الله..

وصدر البيان الثالث برجوع الحياة في البيت إلى حالتها الطبيعية من حيث التجمع فكانت الفرحة كبيرة بأن تعود تفاصيل الحياة فالبيت كما كانت.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق