أصداء وآراء

أيّـهـا الخالـد فـيـنـا..

 

الكاتـب/ خمـيـس بن عـبـيـد القـطـيـطـي

 

أيـهـا الخالـد فـيـنـا..

مضت ثمانية شهور على رحيل أعز الرجال وأنقاهم، سلطان القلوب وحبيب الشعوب، جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه، وعندما نكتب المرثيات أو نؤبن هذا القائد العماني الخالد في القلوب، فإننا لا نمارس طقوس الدراوشة أو أننا نبقى في دائرة الرثاء، لكننا نستمد من هذا القائد الملهم روح المواطنة، ونجسد تلك التضحيات الوطنية التي قدمها حبيب الشعب، ونستمد العنفوان والإخلاص والعطاء من أجل هذا الوطن الذي سجل في تاريخه إضاءات ساطعة، فكانت عمان شامة في ذاكرة التاريخ.

وعندما نتحدث عن جلالة السلطان قابوس، فإننا نستدعي التاريخ والحضارة والمواقف العظيمة في تاريخ عمان، فهذا القائد العظيم يمثل إمتداداً لذلك التاريخ العظيم، واستمراراً لسلسلة أجداده العظام مثل الإمام أحمد بن سعيد، والإمام عزان بن قيس، والسيد سعيد بن سلطان، فجاء قابوس ليرسم تلك الإمبراطورية العمانية العظيمة بطريقة عصرية متجددة.

وعندما نستعيد ذكرى جلالة السلطان قابوس فإننا نستذكر تلك الإضاءات من تاريخ عمان الكبير منذ أن استقبلت هذه الأرض الطيبة مالك بن فهم، فأقام على أرضها دولة عمانية يشار لها بالبنان، فسجلت عمان حينذاك أحد أهم ثلاثة انتصارات عربية على الفرس قبل الإسلام في يوم سلوت، عمان التي إنطلق منها الدعاة والصحابة لينهلوا من معين الإسلام، فكانت من أوائل الأقطار العربية التي دخلها الإسلام طواعية بلا خف ولا حافر، فرحبت برسل المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين توافدوا على ملكيها عبد وجيفر ابني الجلندى، كما استطاب المقام للصحابي عمرو بن العاص في عمان، عمان التي دعا لها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، عمان التي لم تتخلف عن العهد طوال فترة الخلافة الراشدة، فسجلت كتب التاريخ الإسلامي ثناء الخلفاء الأربعة على عمان.

لقد حافظت عمان على موقعها السيادي في فترات طويلة من التاريخ الإسلامي في العهدين الأموي والعباسي وفي عهد الدولة العثمانية، وكذلك في عهود ما قبل الإسلام، فقد كانت كيانا سياسياً واقتصادياً وثقافياً ذا حضارة وسيادة تفاعل وتمازج مع الحضارات الأخرى البابلية والآشورية والسومرية والفارسية والفرعونية فعرفت مجان ومزون، كما أسهمت عمان في الفتوحات الإسلامية في أقاليم عدة منها مصر وبلاد السند والهند ، وآسيا الوسطى وأفريقيا وأقاليم أخرى، ولا ينسى التاريخ الدور الحضاري والملاحي عندما إنتقل بحارتها يجوبون المحيطات يحملون رسالة السلام والإسلام في ربوع مناطق عدة من هذا العالم، كما تحملت مسؤولياتها التاريخية فدافعت عن المنطقة، وتصدت للبرتغاليين وطاردتهم في عموم المنطقة وسواحل أفريقيا، عمان التي انطلقت جيوشها في لحظة فارقة من الزمن لمناصرة الأشقاء في سقطرى حتى تم طرد الأحباش منها بعد رسالة الزهراء السقطرية، فسجلت كتب التاريخ تلك الهبة العمانية بأحرف من نور، عمان التي إنطلق أسطولها الحربي لمساندة أهل البصرة حتى تم طرد الفرس من شط العرب، وكذلك الدفاع عن البحرين ضد الأطماع الفارسية، عمان التي تحطمت على صخور جبالها الصلدة أحلام الشيوعية وأفكارها الهدامة التي كادت أن تسود المنطقة لولا نصر الله ونقاء الفكر العماني وبسالة جيشه .. عمان هي الفضاء الساطع الصافي في سماء العروبة فلم تتخلَّ يوما عن مسؤولياتها التاريخية وواجباتها الحضاري تجاه العروبة والإنسانية.

اليوم عندما نذكر هذا القائد فإن عمان لن تنساه، وذاكرة التاريخ العماني سيخلد إسمه وسيطره ضمن القادة الأفذاذ الذين قلما يجود بهم الزمان، نسأل الله سبحانه أن يجزيه عن عمان وأهلها خير الجزاء، اللهم ارحمه واغفر له وأكرم نزله، اللهم إجعل الملائكة المقربين يدخلون عليه من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار، اللهم نسألك أن تجعله في روح وريحان وجنة نعيم .. آآميين يارب العالمين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى