أصداء وآراء

إبـنـي فـي ألمـانـيـا !!..

 

 

 

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

 

إبـنـي فـي ألمـانـيـا !!..

 

للأسف أنني لم أزر ألمانيا حتى اليوم .. ولكن لي صديق ذهب للدراسة وعاش فيها إثنا عشر عاما حتى اضطر والده أن يرسل له إثنين من إخوته واثنين من أبناء عمومته فتيان أقوياء مفتولي العضلات ليحضروه الى الوطن بالقوة..

فاحضروه مكبلا بالحبال .. وأول ما وصلوا إلى البيت كان إمام المسجد جالسا ينتظر وصوله في مجلسهم الكبير وقبل أن يخلع حذاءه أو حتى يلتقط أنفاسه عقدوا قرآنه على فتاة لا يعرفها ولم يتمكن من رؤية أنفها ولم يتعرف على لون عينيها .. فقضوا على حياته ودمروا مستقبله!!..

وقبل أيام التقيت صديق عزيز .. نحمل نفس الهموم .. ونتبادل نفس الأفكار ونتجرع ذات العذابات..

سألته عن ابنه الذي يدرس في ألمانيا منذ ست سنوات ونيف..

فأجابني قائلاً : الولد بخير وفي وضع ممتاز  لكن للأسف .. ثم صمت..

فتوجست خيفة من صمته..

وقلت له : خير إن شاء الله ماذا هناك ؟؟!!..

عسى ألا يكون مريضا ؟؟..

قال لي بحزن وأسى : إنه بخير ولكنه، لا يرغب في العودة إلى الوطن..

فتنفّسْت الصّعداء..

وقلت له يا رجل .. ولماذا تنطقها كأنها لعنة أو مصيبة أو كارثة ؟!!..

قال لي : الولد يريد أن يستقر هناك إلى الأبد..

قلت له : والله لقد أبهجتني .. إنه ولد عاقل وذو بصيرة .. ويملك بُعْد نظر دقيق..

دعه يعيش هناك..

سبع سنوات وهو يدرس الهندسة في أفضل وأجمل بلد في العالم ..

ليس من السهولة حين تعيش في دولة مثل ألمانيا أن تتركها وتغادرها .. تلك الدول الفاتنة تمتلكك .. تجثم في داخلك .. تعيش في روحك .. تسبح في شرايينك .. تلتصق في وجدانك..

إبنك يعيش في ألمانيا، وألمانيا تعيش في داخله .. لذلك من الصعوبة بمكان أن يبتعد عنها..

إبنك تخصّصه عميق ووظيفته مضمونة ومستقبله مشرق، ولكن ليس هنا بل في ألمانيا ..

هنا تشرق الشمس يوميا ..

لكن في ألمانيا لا تشرق الشمس كل يوم بل يشرق المستقبل كل يوم..

لماذا تريد من إبنك أن يعود ؟؟ ..

ماذا تتوقع أن يجد هنا ؟؟..

هل سيستقبلونه بالأحضان ؟؟..

هل سيفرشون له الأرض بالورود والياسمين وباللوز والجوز والفستق ؟؟..

أطلق لإبنك العنان كيفما يشاء..

دعه يتخذ قراراته بمحض إرادته..

دعه يفرد جناحيه للريح ويحلق بهما أينما أحب وأراد..

دعه ينقش أحجاره بأصابعه..

دعه يزرع أزهاره بيده، ويسقيها بعقله وقلبه ووجدانه..

دعه يخوض غمار الدنيا في جانبها المشرق، وعالمها الأخضر الجميل..

دعه يختار الأرض التي سيضع فيها بذوره..

ويجني منها محاصيله وثماره..

هذه حياته .. وهو من يقرر كيف يعيشها..

فأخذ يجادلني جدالاً طويلاً هزيلاً وعقيماً..

فقلت له  :  يا رجل دع الولد يقرر حياته بنفسه..

دعه يعيش في تلك البلاد الساحرة .. دعه يعيش ويستمتع بحياته حتى يشبع ويكتفي، وإذا اكتفى وشعر بالملل من تلك الجنة لن يكون أمامه سوى العودة الى وطنه والارتماء في أحضانه..

وطنه مغروس هنا لن يختفي ولن يتزعزع .. ولو عاد بعد خمسين عاماً سيجد وطنه الحبيب كما هو لم يتغير فيه شيء..

دعه يعيش مع شعوب راقية وأمم متقدمة..

دعه يتلذذ بالقوانين، ويستنشق الحقوق، ويمارس الحريات بكل ملامحها وبياضها وروعتها وجمالها..

دعه يتزوج فتاة أوربية ذات عينين زرقاوين خضراوين .. كأنها حورية من حوريات الجنة..

دعه ينجب لك أحفاداً زُرْقَ العيون، صِفار الشعر، طِوال القمامة، عباقرة العقول.. 

دع أحفادك الشقر يعانقونك ويحدثونك عن تاريخ ألمانيا وعظمتها وجمالها ومفكريها وفلاسفتها وعقولها وصناعاتها..

دع الولد يُحَسِّن نَسْلَنا.. ويُطَوّر عقولنا .. ويرتقي بضميرنا .. ويلمع صورتنا القبيحة وسمعتنا الباهتة..

دع أحفادك الشُّقْر يثرثرون مع أقرانهم الألمان عن جدّهم السندباد الذي غرق في أعماق البحار .. وسرقت جثته حورية بحر  فاتنة  وعرضتها  على أمير الجن .. فأحياه وتزوجها فأنجب منها أبالسة وشياطين ..!!

يا صديقي : دع إبنك يوثق العلاقات العمانية الألمانية ويربطها برابطة الدم والنسب، لعل يوما ما تأتي جمهورية ألمانيا وتعطف علينا وتنقذنا من بعض مصائبنا، وتعالج لنا الكثير من أمراضنا..

دع الولد يعيش حياة حقيقية ولا تحرمه من تلك الجنة التي أرسله الله إليها..

واذا اكتفى من الكرز والفراولة والتفاح والكمثرى والأزهار والورود والعشب والثلوج سيعود للشمس والجفاف والعرق، وسيتجرع المرارات المتوافرة والمتكدسة معنا والتي ستكون بانتظاره لا محاله..

ونصيحتي لك أنت أيضا أن تذهب وتعيش معه .. وأن تأخذ زوجتك المسكينة معك .. دعها تعرف بأن هناك جنة في الأرض قبل أن تموت..

إذهبا واستمتعا بحياتكما الباقية هناك..

إذهبا وشاهدا مدنا مصنوعة من الروعة، مسبوكة بالخيال .. تجوّلا في برلين وهامبورغ وميونخ وفرانكفورت ودوسلدورف وشتوتغارت و هايدلبرغ وبافاريا …… مدن مُسَيّجة بالغابات، مغطاة بالضباب، مفروشة بالعشب، مغسولة بالغمام .. مدن وكأنها قطع مسروقة من الفردوس..

زوروا تلك المصانع الشامخة، وتلك المرافق الساطعة .. وكحّلا عيونكما بتلك الأعاجيب النادرة..

إمشوا في غابات ألمانيا الكثيفة، وتمددوا على أكتاف هضابها الحانية الهادئة، واغتسلوا من أنهارها الصافية..

ستتخلصون من الضغط والسكري..

وستختفي الدوالي من أقدامكما..

وستتنظف شرايينكما..

وستتخلصان من الكآبة والحموضة..

وسينتظم نبض قلبيكما..

وستتفتح شهيّتكما للحياة وستعودان شابين يافعين..

واذا لم تكن الجنة من نصيبكما لا قدّر الله، ستكونان قد رأيتما بعضاً من الجنة في حياتكما الدنيا !!..

أرجوك يا صديقي أرجوك ثم أرجوك، لا تحكم على ابنك بالتعاسة والشقاء .. عمره الآن 27 عاماً، كم سنة سيعيش ؟؟

أربعين سنة  أخرى .. دعه يعيشها هناك في ألمانيا الجميلة، ألمانيا البهيجة..

فمثل هذه الفرص النادرة لا تأتي إلا مرة واحدة في العمر..

دع ابنك يعيش في ألمانيا الفاتنة..

دعه يشعر بالحياة الحقيقية..

دعه يتطور ويرتفع ويتقدم ويعيش في عالم مختلف، ودنيا رائعة يموت المئات سنويا غرقا لأجل الوصول إليها..

ولا تجبره على اتخاذ قرار سيندم عليه طوال حياته..

والله لو كان ابني في ألمانيا لبعت بيتي المتهالك، وسيارتي الحقيرة، وحملت حقائبي الممزقة وأغراضي المكركبة وطرت إليه دون تفكير في أوبة أو عودة  .. ودون رغبة في رجوع أو إياب..

أرجوك يا صديقي : لا تجعل إبنك يكرهك يوما ما ويقول :

“هذا ما جناه أبي عليّ    ..    وما جنيت على أحد”!!..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى