أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

إجعل إنصاتك أكثر من كلامك..

خالـد عـمـر حـشـوان

 

إجعل إنصاتك أكثر من كلامك..

 

كنت أتساءل دائما بيني وبين نفسي لماذا خلق الله لنا أذنين ولساناً واحداً، وكنت أعلم أنها حكمة بالغة من الله عز وجل وليس عبثا لقوله تعالى “وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”، وعندما بحثت في الموضوع وجدت أن الحكمة هي أن يسمع الإنسان أكثر مما يتكلم، وأن الاستماع غالبا فيه النجاة، والكلام غالبا يصحبه الهلاك (وليس دائما)، وتذكرت حينها نصيحة الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- عندما قال له: “كُفَّ عليك هذا وأشار إلى لسانِه، قلت يا نبيَّ اللهِ وإنا لمؤاخذونَ بما نتكلمُ به؟ فقال الرسول: ثكِلَتك أمُّك يا معاذُ ، وهل يكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهم إلا حصائدُ ألسنتِهم” (حديث صحيح).

لذلك كانت خطورة اللسان تكمن فيما يتحدث به الإنسان فأن كان خيرا كان له الأجر والثواب وإن كان شرا مثل الكذب والغيبة والنميمة والافتراء والقذف والسب والشتم والاستهزاء، كان لصاحبه الإثم والوز والعذاب يوم القيامة.

ونبدأ بإيضاح الأوجه الأربعة لترك الكلام وتوضيحها في التالي :

أولاً : الصمت :

وهو أكثرها عموما وتعني الذي لا يقوى على النطق ويقال عنه صامت.

ثانياً : السكوت :

ويعني ترك الكلام لمن يقدر عليه.

ثالثاً : الإنصات :

وهو يجمع بين السكوت والاستماع بتركيز لقول الله تعالى “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف – الآية 204).

رابعاً : الإصاخة :

وهي الاستماع لما يصعب إدراكه كالصوت من مكان بعيد أو السر.

فضل الإنصات وقلة الكلام وكُرْهُ إكثاره :

حثنا الدين الإسلامي على ذلك ورغب فيه لأن كثرة الكلام قد تكون سببا في الوقوع في الإثم فلا يأمن المكثر من الكلام من آفات اللسان ومنكرات وأخطاء الأقوال والاعتذار للآخرين، ولنا في حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام خير دليل عندما قال فيه “إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا : قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ” (رواه البخاري ومسلم)، والصمت فيه نجاة، حيث كان الرسول عليه الصلاة والسلام طويل الصمت كما وصفه جابر بن سمرة ولا يتكلم إلا في حاجة وينطق بجوامع الكلام ولا يتكلم إلا فيما يعنيه أو يرجو من الله ثوابه، وقلة الكلام أو الصمت مدعاة للاحترام والتوقير ويُعَلِّم صاحبه حسن الاستماع والإصغاء الجيد للآخرين والمشاركة الفعّالة والنقاش المثمر.

الطرق الفعالة للإنصات الجيد وقلة الكلام :

ونختار لكم منها الأهم والأكثر تأثيرا مثل :

* الانصات الفعّال بالجوارح من خلال ملامح الوجه ولغة الجسد والرسائل الإيجابية من المنصت للمتكلم.

* سلوكيات المُنْصِت مثل البشاشة والابتسامة والإيماء بالرأس وإظهار التلهف واستخدام الإشارات.

* عدم محاولة قراءة أفكار المتحدث علنا وتواصل النظر لتشجيعه على الاسترسال في الحديث.

* الاستمتاع بالإنصات ثم النقاش الغني مهنيا مع الحوار الدقيق لشعور المتحدث بالاهتمام والجدية.

* عدم التدخل في الحديث عند الوصول في المنتصف لمعرفة موضوع الحديث وانتظار الدور في التحدث.

* عدم مقاطعة المتحدث ومقاومة الرغبة الفورية في الحديث التي تعطي انطباعا سلبيا وتثير الغضب.

* البعد عن عبارات عدم التركيز والاستهتار مثل: ماذا كنت تقول؟ أو ماذا قلت؟ أو الكل يعرف ذلك.

* عدم الانشغال عن الإنصات بتجهيز ردود للمتحدث لأنها سبب للسرحان وعدم التركيز وتكشفها العين.

* عدم انتقاد المتحدث بطريقة جارحة وخاصة أمام الحضور ويمكن تمرير الملاحظات بأدب على انفراد.

* عدم التصرف غير اللائق مثل إدارة الظهر أو السكوت التام أو العبوس أو قضم الأظافر أو التثاؤب وغيرها.

معوقات الاستماع الجيد :

وهي مؤثرة جداً في عملية الاستماع مثل :

* اختلاف اللغة بين المتحدث والمستمع وهو أمر مهم جدا في فهم الرسالة أو الاستماع إليها.

* عدم تركيز المستمع مع المتحدث التي قد تكون بسبب سطحية الحديث أو عدم فائدته أو معلوماته المكررة.

* حب الانتقاد والسخرية عند بعض المستمعين النابع عن عدم الجدية أو الإحساس بالمسؤولية أو الملل.

* قلة الصبر في تتابع المعلومات وحب المقاطعة للمتحدث الذي قد يؤدي للانصراف قبل انتهاء الحديث.

* المواقف الشخصية بين المتحدث والمستمع والتي قد تخلق نوع من العداء الشخصي وعدم الرغبة للاستماع.

* مستوى المستمع الفكري أو الصحي الذي يعيق فهم المتحدث أو استيعاب رسالته أو طريقته في الحديث.

* عدم هدوء المكان والتشويش المصاحب سواء كان ضجيجا أو مقاطعة أو ما يعطل وصول رسالة المتحدث.

حكمة عن الإنصات الجيد :

لقد استوقفتني حكمة قرأتها منذ فترة لأحد الحكماء الذي يقول فيها : “إذا جالست الجهال فأنصت لهم، وإذا جالست العلماء فأنصت لهم، فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وإن في إنصاتك للعلماء زيادة في العلم”.

وأختم .. بأن الإنسان لا يتعلم في هذه الدنيا إلا بالإنصات الجيد الذي هو سلوك حضاري، وأحد عوامل الاتصال الفعّال مع الآخرين، فمن واجبنا الاهتمام والتقدير لما يطرحونه من أفكار ومعلومات وآراء حتى لو كانت مختلفة مع توجهاتنا وآرائنا، ولكن الإنصات الجيد يدل على هيبة المستمع وحكمته وذكائه ويضمن له حواراً راقياً وموضوعياً يثري النقاش، ويزيد من تقارب وجهات النظر، والاحترام المتبادل بين المتحدث والمستمع بسب الالتزام بالطريقة الفعّالة والمثالية في أدب الاستماع والحوار، وقد ثبت في علم النفس أن الاستماع الجيد من أهم الأدوات الأساسية للوصول لقلوب البشر والتفاهم المثمر معهم، وهو فن ومهارة، ويقلل من سوء الفهم، ويعزز العلاقات الاجتماعية والمعرفة الطيبة بين البشر؛ لذلك اجعل إنصاتك أكثر من كلامك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى