أصداء وآراء

إخـتـزال التـاريـخ !!..

 

 

الكاتـب/ طـلال بن حمـد الربيـعـي

 

 

إخـتـزال التـاريـخ !!..

 

هناك مقولة شهيرة لأشهر منظري الإستراتيجية الأمريكية هنرى كسينجر يقولها ساخراً مستهزئاً  :

إن العرب يستدعون التاريخ ويختزلونه بطريقة مَرَضِيّة، دون أن ينظروا للممكن والمستقبل.

لكن ما هو التاريخ وكيف يتم اختزاله ؟!.

يعرف التاريخ بأنه مجموعه من الأحداث التي وقعت والأعمال التي تمت في الماضي وتم تدوينها مع بَدْأ الحضارات القديمة، منذ أن اكتشف الإنسان الكتابة وبدأ بتدوين الاحداث بشكل منظم.

هذه الأحداث تنوعت حسب أهميتها سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو دينية أو ثقافية..

يقول ابن خلدون : التاريخ من صنع الإنسان نفسه ظاهره الحوادث وباطنه العلل والأسباب .. فالتاريخ في مجمله عبارة عن أحداث مرت في الماضي لكن مفارقته تكمن في الحدث؛ الحدث التاريخي نفسه من ناحية موضوعيته، وذاتية المؤرخ الذي كتبه.

يقول بول ريكور في كتابه (التاريخ والحقيقة) : “يريد التاريخ أن يكون موضوعيا، لكنه لا يمكنه أن يكون، ويريد أن يجعل من الأحداث معاصرة غير أنه مطالب في ذات الوقت بأن يردم هوة المسافة وعمق الابتعاد التاريخي” .. هنا يقع الخلاف حول دور المؤرخين ومن يتناولون التاريخ هل هم يصفون ما حدث أم يحاولون تفسيره ؟..

ويظهر هذا جليا أثناء قراءتنا، حيث إن كثيرا من  الأحداث التي تناولها المؤرخون وكتاب التاريخ على مر العصور، تم اختزالها لتتلاءم مع أفكار المنتصرين، وأيدولوجياتهم وثقافاتهم، وهم ما يطلق عليه بالتعميم المتحيز للتاريخ؛ بمعنى تناول تاريخ حضارة معينة ليكون محورا يدور حوله ومن خلاله تاريخ وثقافات الشعوب الأخرى، على سبيل المثال  قام الفلاسفة والمؤرخون الأوروبيون بمركزة الحضارة والتاريخ البشري لينطلق من أوروبا، وهو ما نتج عنه ما يسمى بنظريه المركزية الأوروبية، وتم وضع الثقافة الأوروبية الغربية كمعيار لتقييم باقي الثقافات، مما أدى إلى سيادة النزعة الفردية الغربية الضيقة التي لا ترى إلا مسلّماتها العقدية والفكرية، وتسعى إلى نفي وإقصاء الثقافات الأخرى.

وهنا يؤكد الفيلسوف الأمريكي فرانتز بواز “على ضرورة الابتعاد عن التعميمات عند قراءتنا للتاريخ، وتبني النهج الاستقرائي، ودراسة كل ثقافة على حدة دراسة تفصيلية متعمقة تراعي الخصوصية التاريخية، وتؤكد أهمية التبادل الثقافي والتاريخي والاجتماعي في عمليات التغيير، وأن  لكل حضارة وكل مجتمع مهما كانت بيئته لديه خصوصيه تاريخية، هذه الخصوصية هي التي تصنع ثقافته وتاريخه”..

ينعكس ذلك أيضا علينا في الوطن العربي وعالمنا الإسلامي، إذ عانينا ومازلنا نعاني خطرا يداهم مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة، وهو استدعاء الأحداث التاريخية التي حدثت في صدر الإسلام وبداية القرن الأول الهجري لتكون هي المثالية المطلقة، والنموذج الذي يحتذى به، فنرمي أسباب تخلفنا بسبب ابتعادنا عن ذلك النموذج الماضوي، ولتتشكل هذه الأحداث وتأخذ بعدا فكريا (نشأت حركات ما يسمى بالإسلام السياسي ولا نعمّم، وهي حركات تلتحف بعباءة الدين والتاريخ تم استخدامها لإشعال الفتن والحروب والقتل والتدمير والتطرف) وهذا كله لو تعمقنا فيه بعيدا عن الأسباب الجانبية الأخرى سنجده يأتي في السياق التفسيري المريض والاستدعاء المشبوه والمختزل بشكل مغلوط للتاريخ.

السؤال الآن : كيف نبتعد عن اختزال التاريخ وفهمه حسب الأهواء والمصالح، إلى قراءه حقيقية ومنهجية وأكثر جرأة وعمقا بعيدا عن التكرار والمثالية ؟.

من وجهة نظري نحن بحاجه ماسه إلى إعادة التفكير في نمط تناولنا للحدث التاريخي؛ أي أنه يجب علينا أن نحاول تفسير الحدث التاريخي ودراسته، لا وصفه فقط؛ فكل حدث تاريخي هو حاصل لفترته، لذلك فالتفسير الخاطئ للحوادث التاريخية دون مراعاة ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة وأحوال الناس وتوجهاتهم في ذلك الوقت، واختزاله على الوضع الراهن يخلق نوعا من الاغتراب الفكري والحضاري، وينتج عنه التطرف والنزعة نحو إقصاء الآخر.

أو بعبارة أخرى : إن مصدر الخطأ هو تطبيق واقع العصر الحاضر ومفاهيمه على العصور السابقة، مع أن لكل عصر خصائصه ومميزاته الواضحة التي تسمى في منهج البحث العلمي «روح العصر» أو (تزايجاست)..

يقول أنجلز في إحدى رسائله : (إن مفهومنا عن التاريخ هو في المقام الأول مرشد للدراسة وليس رافعا للبناء، فكل التاريخ ينبغي أن يُدْرَس من جديد، وظروف وجود مختلف تكوينات المجتمع ينبغي أن تُبْحَث بالتفصيل، قبل أن نحاول أن نستخلص منها الأفكار السياسية، وأفكار القانون المدني، والأفكار الجمالية والفلسفية الدينية …الخ التي تتوافق معها).

لذلك فإنه لابد أن نتخلص من عقده التاريخ أو (مصيدة التاريخ)، ولا نجعلها عقبة أمامنا في سبيل بناء المستقبل من خلال اشتغالنا بها فقط .. إذ يجب علينا إعادة فهم التاريخ ليكون خطوة على طريق بناء المستقبل، وليس خطوة تراجعيه نحو البقاء في الماضي..

وفي الختام يقول كارل ماركس : “الذي لا يعرف التاريخ محكوم عليه بتكراره.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى