أصداءأقلام الكتاب

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ         ..         فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ..

الكاتـبة/ د . رضية بنت سليمان الحبسية

       Radhiyaalhabsi@gmail.com

 

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ         ..         فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ

أَبدأُ مقالي الحالي ببيتٍ شعريٍ لأبي الطيبِ المتنبي : إذا غَامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ، فَلا تَقنَعْ بما دُونَ النّجومِ. والذي لطالما تَرددّ صَداهُ مسمعي، ليسْ لأني لمْ أَقرأهُ من قبلٍ، إنما لموقفٍ لطالما أخذتني الذاكرةُ إليهِ. فَخِلالُ فَترةِ عَرْضُ مُخططي البَحثي لنيلِ درجة الدكتوراه بجامعةِ القاهرة، كانتْ لي وقفةٌ مع الأستاذ الدكتور ناديه يوسف جمال الدين بكليةِ الدراسات العليا للتربيةِ،حِينما الْتقيتُ بها لعرضِ فِكرتي البحثية عليها؛ للاستفادةِ من علمِها الغزير، ومع ابتسامةٍ تفاؤليةٍ ونظرةٍ تَشعُ عِلمًا وخِبرةً وحِنكةً، خَطّتْ لي بقلمِها ذلك البيتِ الشعري ولَمْ تَزدْ، تعجبتٌ حينها ولمْ أنبسْ ببنتِ شفةٍ، فَأَخذتُ الورقةَ وانصرفتُ، أَمعنتُ النَّظرَ وأَطلتُ التأملَ في معنى ذلكَ البيت، فأدركتُ باكرًا قيمةَ ومغزى تلكَ الوقفةِ القصيرةِ مع عالمةٍ تربوية وقامةٍ عظيمةٍ في مجالِ البحث العلمي، التي أسدتْ لي من خلالِها بنصيحةٍ عظيمةٍ وأنا على عَتبةِ رحلةِ الدكتوراة، فأرادتْ لي أنْ أكونَ طموحةً بَدْءًا من الفكرةِ البحثيةَ، ويُخَيَّلُ إليّ أنها كذلك مع كُلِ مَنْ حَظِيَ بفُرصةِ النهلِ مِنْ عِلمِها وعَطائِها.

من هنا جاءتْ فكرة مقالي هذا، فَحَرِيٌ بنا أنْ نُورِدَ شرحَ البيت الشعري المذكور.

فالمغامرةُ :  الدخولُ في المهالكِ والمغامرات:  الشدائد، وفي شرفٍ:  أي في طلبِ شرف، ومروم:  مطلوب.

يقول :  إذا حاولت  الوصول لشرف وخاطرت بنفسك في سبيلِ الحصول عليه فلا تقنع بما دون أعلاه، ولا ترضَ باليسيرِ منه، فإذا كان لكَ مَطمحٌ تُريدُ الوصول إليه فلْيكن مَطمحًا عظيمًا؛ لأنك إنْ مُتَ وأنت تُحاولُ الوصول إليهِ أفضل من أنْ تموتَ وأنت تسعى للمطمحِ الهزيل والميتةُ واحدةٌ، وإذا كان ذلك كذلك، فلْتكن الميتةَ في سبيلِ هدفٍ رفيع.

الطُّموحُ هو : السعيُ إلى تحقيقِ الأهدافِ والغاياتِ، أو هو: المستوى الذي يَرغبُ الفردُ في بلوغهِ، أو يشعرُ أنه قادرٌ على بلوغهِ، وهو يسعى لتحقيقِ أهدافهِ في الحياةِ وإنجاز أعمالهِ اليوميَة. والطموح اللامحدود يَغِرسُ في الفردِ رُوحَ التحدي للعملِ الجاد، ويُحفِّزه على التفكيرِ الإبداعي والتخطيطِ السليمِ؛ بهدَف الوصولِ لأهدافهِ التي رسَمها. فالطموحُ إذًا هو مَدخلٌ للنجاحِ؛ لأنه يُفجِّر في الشخصِ الطاقاتِ الكامنةَ، ويدفعهُ نحو استنفارِ كلِّ قُواهُ العقليةِ والبَدنيةِ والنفسيةِ، مِن أجلِ تحقيقِ غاياتهِ. ويرتبطُ الطموحَ ارتباطًا وثيقًا بالقيمِ والأهدافِ، من خلالِ ما يٌنجزُ من أهدافٍ.

لا يَسعى للنجاحِ منْ لا يَملكُ طموحًا، إذ يُعدُّ الطموح الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها نجاحُ الفردِ، ومهما اختلفَ الطموح عند الأشخاصِ وتعدّدتْ اتّجاهاته، يبقى القاسمُ المشترك هو السعيُّ إلى النجاحِ والإصرارِ على تحقيقِ ما نصبو إليهِ. فالطموح والإصرار هما الطاقة الروحية في حياةِ الإنسان وهما الخطة العقلية التي تنظّمُ حياتَه، والتي تدفعهُ نحو المستقبلِ، ولا قيمةَ لوجود الإنسان إنْ لمْ يكنْ طَموحًا.

 لا تخلوْ الحياةَ من تحدياتٍ، وقدْ يقعُ الفردَ في إخفاقاتٍ حقيقية في سبيلِ تحقيقِ ما يَصبوا إليهِ، إلّا أنه يستطيعُ تنميةُ طموحه من خلالِ التطُّلع إلى الأفضلِ، عُلُوّ الهِمَّةِ، الثّقةُ بالنفسِ، امتلاكُ روحُ التحدي المستمر، عدمُ الانجرافِ وراءُ المثبطاتِ، تنميةُ قوةَ الإصرارِ والعزيمة، رفعُ سقفَ التوقعاتِ، الابتعادُ الجذريِّ عن التقليدِ، والسعيُّ الدؤوبِ للإبداعِ والتميزِ. كل ذلك مع التوكلِ على الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق، آية: 3)

الخُلاصة : النّجاحُ قمةٌ لا يرتقي سُلّمها إلاّ أصحابَ الهِمَم العالية، لأنَّ هِممهم تقودُهم للمواصلةِ وإنْ تَعثّرت خُطاهم، فكلُ عَثرةٍ يُؤخذُ منها درسٌ وتُرتبُ في قائمةِ التجاربُ. فالكثيرُ من تجاربِ النجاحُ هي وليدةُ مَخاضٍ سَبَقْتُه تَجاربٌ كثيرةٌ انتهتْ بالفشلِ. فعلى كُلٍ منا من أصحابِ الهمم أنْ يَنظُرَ إلى ما يُريدُ أنْ يكونَ، وألاَّ يُتيحُ لعثراتِ الطريقِ إبطاء خُطاه أو التراجع عن مبتغاه. بلْ يَقفُ على قواعدٍ ثابتةٍ تُؤَهلهُ لكي يُطورُ ويبني ويَرْتَقِي ويَبْلغُ المجدَ من أوسعِ أبوابهِ، فَواثِقُ الخُطوةِ يَمشي مَلكًا. ولنا وقفةٌ ختاميةٌ مع أبي الطيب المتنبي، مثلما كانت البداية :

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ              ..                   وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها               ..                   وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق