أصداء وآراء

إستعداداً للإحتفال بالعيد الخمسيني لانتصارات أكتوبر 1973م..

الكاتب/ د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

إستعداداً للإحتفال بالعيد الخمسيني لانتصارات أكتوبر 1973م..

بعد ثلاث سنوات فقط من الآن، سوف تحل علينا الذكرى الخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، وهذه السنوات الثلاث، بالمناسبة، ليست فترة طويلة، بل هى، فى اعتقادى، أقصر من أن تستوعب الاستعدادات التى يجب أن تحدث لعمل احتفالات تليق بهذه المناسبة، خصوصاً وأن حرب أكتوبر، رغم كثرة ما كتب إعلامياً عنها خاصة فى الأيام التى تسبق المناسبة والتى تليها كل عام، إلا أنها لم تحدث التراكم الثقافى والفكرى الواجبين واللائقين بهذه الانتصارات التى جاءت لتجيب عملياً وفعلياً على كل دعايات التضليل الإسرائيلية والأمريكية وروافدها العربية بكل أسف عقب نكسة يونيو عام 1967 التى ظلت ومازالت تحظى باحتفاء واهتمام واسع لا يقارن بما يحدث احتفاءً بانتصارات أكتوبر المجيدة.

ففى كل عام وقبل أن تحل الذكرى الحزينة لتلك النكسة، تبدأ معزوفة “جلد الذات” بهدف واحد هو “تخليد الهزيمة” في نفوس المصريين والعرب، وإعلاء شأن “النصر الإسرائيلى” دون اهتمام بالبحث عن إجابات علمية وغير منحازة لأسئلة كثيرة كانت الإجابة عليها كفيلة بأن تضع هذه النكسة فى مستواها الحقيقى من نوع : لماذا شنت إسرائيل هذا العدوان على مصر فى الخامس من يونيو 1967م ؟ هل كان هذا العدوان مفاجئاً بالنسبة للمؤسستين العسكرية والسياسية فى كيان الاحتلال الإسرائيلي وفي الإدارة الأمريكية ؟ بمعنى آخر، هل كان قرار شن العدوان مجرد رد فعل لاستفزازات سياسية ودبلوماسية مصرية خاصة قرار إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية – (بالمناسبة كان المضيق مصرى بحت يخضع للسيادة المصرية الكاملة فى ذلك الوقت ويقع بين جزيرة تيران المصرية شرقاً وشاطئ شرم الشيخ غرباً) – ؟ وكيف كانت حال التفاعلات الإقليمية والدولية الصاخبة فى السنوات القليلة التى سبقت شن هذا العدوان : الحرب فى اليمن، تحويل إسرائيل مجرى نهر الأردن، القمة العربية الأولى التى دعت لها مصر عام 1964 فى القاهرة، وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة للرد على هذه الخطوة الإسرائيلية العدوانية، الأزمة المتصاعدة بين القاهرة وواشنطن حول شروط المعونة الاقتصادية لمصر، وحول الصناعة العسكرية المصرية، والمشروع النووى المصرى فى أنشاص، وسياسة مصر العربية المناوئة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وسياسة التسليح الأمريكية المتصاعدة لهذا الكيان خاصة صواريخ “هوك” وغيرها ؟، وهل خاضت إسرائيل الحرب ضد مصر وحدها، أم كانت الولايات المتحدة شريكاً فعلياً فى هذه الحرب ؟ وهل كان هدف العدوان مجرد احتلال جزء من الأرض ؟ أم كان إسقاط المشروع المصري كله وإخراجه من معادلات الصراع الإقليمي ؟

أسئلة كثيرة من هذا النوع كانت إجاباتها كفيلة بأن تحسم القضية، وهي أن “كسر مصر” كان قراراً أمريكياً – إسرائيلياً، وبعد ذلك كان يجب دراسة أسباب وحدود التقصير المصرية.

ما كان يحدث، والذي مازال يحدث، عندما تقترب ذكرى تلك النكسة، هو أن تحشد الجهود لتكريس المعاني التي استهدفها العدوان، والتي فشل فى تحقيقها، لأن الشعب المصري بخروجه يومى 9 و 10 يونيو معلناً رفض الهزيمة، ورفض تنحي زعيمه جمال عبد الناصر، رفض أن ينهزم، واعتبر أن ما حدث مجرد جولة في حرب طويلة مع العدو، وأنه لم يعد مسموحاً “أن يعلو صوت فوق صوت المعركة”، وهذا ما وجد صداه سريعاً من جانب القوات المسلحة المصرية الجريحة، التي أعطت كل أولوياتها في الأشهر القليلة التي تلت النكسة، للململة الجراح، وإعادة بناء نفسها إستجابة لقرار الشعب بالحرب، الذي “خلق إرادة القتال”، إستجابة أكدتها ثلاثة أحداث؛ الأولى : هي معركة “رأس العش” فى 1/7/1967، بعد عشرين يوماً فقط من وقف إطلاق النار الرسمى، التي انتصر فيها الجندي المصري الجريح معنوياً، ونقل جرحه المعنوي فوراً إلى الجندي الإسرائيلى، والثانية بعدها بأسبوعين فقط أي في 15 يوليو 1967م، وهي معركة “كسر السيطرة الجوية” الإسرائيلية على قناة السويس، عندما استطاعت حوالى 17 طائرة مصرية أن تتغلب على السيطرة الإسرائيلية الجوية التى كانت تحلق كل يوم في منطقة القناة، حيث استطاعت إبعادها من خلال عدة اشتباكات، أما الحادث الثالث فكان يوم 21 أكتوبر 1967م، عندما قررت القوات البحرية المصرية أن تشارك هي الأخرى في “كسر حاجز التردد” في مواجهة العدو عندما تمكنت بنجاح، من إغراق وتدمير المدمرة الإسرائيلية “إيلات” بواسطة لنشين بصواريخ تنطلق من زوارق ضد هدف كبير لأول مرة فى العالم.

الأحداث الثلاثة أدت إلى تغيير الموقف المعنوي، وأصبح الجندى والضابط والقائد في مصر، على نحو ما جاء على لسان الفريق أول محمد فوزى القائد العام السابق للقوات المسلحة المصرية، يعلم أن هناك شيئاً جديداً عليهم الإستمرار فيه، هذا الشيء الجديد هو استرداد “إرادة القتال”، وإفشال كل ما استهدفه العدوان وهو “كسر الإرادة المصرية”، وإجبار مصر على القبول الذليل لحقائق أمر واقع أرادوا أن يفرضوه يقول : إن “إسرائيل قوة لا تقهر وغير قابلة للهزيمة وليس أمام مصر إلا أن تقبل بشروط السلام الذي تريده إسرائيل”.

هذه الإرادة القتالية إمتلكها الجندي المصري بأسرع من كل تصور كما يشرح الفريق أول محمد فوزي، الذي كان قد أعطى تعليمات صارمة بالتهدئة على طول خط جبهة قناة السويس، حتى تسترد القوات تماسكها وعافيتها وتسليحها عقب النكسة، و “الإلتزام بعدم استفزاز العدو حتى نتمكن من تقوية أنفسنا”، وكانت التعليمات تقول “بعدم استخدام النار إلا بواسطة القائد المحلي، أي الحصول على الإذن منه، أو للدفاع الشخصي، والذي يخالف ذلك تجري محاكمته محاكمة ميدانية”.

لكن في الساعة الثانية عشرة ليلاً يوم 11 يونيو 1967 إتصل قائد فى منطقة الشط في القطاع الجنوبي بالقائد العام وقال : “عندي جندي قد أعطاه الله من القوة إستطاع أن يقتل عسكرياً يهودياً كان يستحم في مياه قناة السويس على الجانب الآخر” وقال : “ماذا أعمل معه ؟”.

كان رد الفريق أول محمد فوزي أن “ينفذ المنصوص عليه فى التعليمات”، لكنه سريعاً ما استدرك وقال : “شئ ما داخلي جعلني أغلب قلبي على عقلي، وقلت له : رقّي العسكري .. وقلت له أيضاً أعطي العسكري نيشان، ومكنه من الحصول على إجازة بهذا النيشان”، وبعدها أضحت سابقة محمودة لكل الجنود المصريين.

لم ينهزم الشعب المصري، ولم ينهزم الجيش المصري، على العكس من كل طموحات وتوقعات قادة العدو، وهذا هو “لب الصراع”، وجاءت حرب الاستنزاف ومن بعدها حرب أكتوبر لتؤكد هذه المعاني، وتؤكد إلتزام القوات المسلحة بالشرط الذي عرضه الفريق عبدالمنعم رياض لقبول تكليفه رئيساً جديداً لأركان القوات المسلحة المصرية في يونيو 1967 وهو “أن نحارب”، قال ذلك عبدالمنعم رياض للرئيس جمال عبد الناصر واستطرد موضحاً، أن هذا الشرط “ضرورى للحفاظ على كرامة وكبرياء مصر”.

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد حربٍ كبقية الحروب التى تحدث بين الشعوب، ولم تكن مجرد حرب لاسترداد أرض محتلة، ولكنها كانت بالأساس حرب استرداد كرامة وعزة وطنية، واسترداد إرادة أرادوا تحطيمها، وفرض سلام مغموس بالذل والمهانة، وكانت حرب إثبات كفاءة الجندي المصري، وتحطيم الأسطورة الزائفة للجندي الإسرائيلي، التى أكدتها المئات وربما الآلاف من مفارقات هذه الحرب على ألسنة الضباط والجنود الإسرائيليين الذين تم أسرهم طيلة حرب الإستنزاف وفي حرب أكتوبر، على نحو ما روى اللواء أركان حرب حمدى شعراوى في مداخلته بالندوة المهمة عن “حرب الاستنزاف” التى نظمتها وحدة دراسات الثورة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية على لسان الضابط الإسرائيلى الأسير “عساف ياجوري”.

يروي اللواء شعراوي أن “عساف ياجورى” ظل 48 ساعة عقب أسره لا يتحدث، وعندما تكلم كان تعليقه للضابط المصري الذي يحاوره عن الحرب ونتائجها : “حدث لنا كما حدث لكم في 1967، الارتباك الذي حدث لنا، نفسه ما سبق أن حدث لكم”، وعندما سأله الضابط المصري عن مطالبه، طلب زيارة منطقة الأهرامات، والمعبد اليهودي، وفندق شيراتون الجزيرة (لأنه مدير شيراتون فى إسرائيل)، وعقب عودته من هذه الزيارة، سأل عساف الضابط المصري عن أخبار الحرب، فرد الضابط المصري أن “الجيش المصري وصل تل أبيب، وحررناها، وأنت سوف نفك أسرك، ولما ترجع تل أبيب بلغ تحياتى للحاكم المصري هناك”، وهنا انفعل عساف ياجورى بشدة وقال بالنص حسب رواية اللواء حمدى شعراوى : “لقد أخبرتهم بذلك .. إسرائيل سوف تزول، والحاخامات قالوا ذلك أيضاً أن إسرائيل سوف تزول عام 2012 أو 2022، فلا داعى للحرب ولنتوصل إلى حل ودّي”، وزاد على ذلك القول : “إن الحاخامات الذين قالوا هذا الكلام هم على علم ديني، ويعرفون أن إسرائيل سوف تزول عام 2012 أو 2022، لكن من الواضح أن هذا قد حدث مبكراً”.

لم يفكر عساف ياجوري أن يرفض أو يستنكر ما قاله الضابط المصري لتكسير معنوياته حول “زوال إسرائيل” لسبب أساسي، أنه يعيش كغيره هذه الحقيقة، أي الحقيقة التى أكدتها حرب أكتوبر، التي سريعاً ما تداعت أمام “تسونامي السلام” التي استطاعت أن تحتوي كل المعاني الكبيرة والعظيمة للنصر، الذى أضحى مُغَيّباً طيلة كل عام، ولا يعود إلا أسبوعاً واحداً مثل “موالد الأولياء” لا يتذكرهم أحد طوال العام، يحتفلون بهم فى أسابيع الموالد ولا يهمهم إلا أن يغرقوا في هوامش المعاني، وهذا ما يجب أن نستعد له من الآن ونحن نجهز أنفسنا للاحتفال بالذكرى الخمسينية لهذه الانتصارات، كي نستعيد المعاني التي يريدون طمسها، وهي أننا منتصرون وهم المنهزمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى