أصداء وآراء

“إسرائيل” دولة الأزمات الوجودية فهل تصبح مشهداً عابراً في التاريخ ؟؟!!..

 

الكاتب/ نَـوّاف الـزَّرو

باحث خبير في الصراع العربي الإسرائيلي

Nzaro22@hotmail.com

 

 

“إسرائيل” دولة الأزمات الوجودية فهل تصبح مشهداً عابراً في التاريخ ؟؟!!..

 

قد يبتسم البعض من العنوان أعلاه ساخرا، وقد يعلق البعض الآخر قائلا: ما هذا الهذيان، الا ترون الانهيار العربي التطبيعي….؟!، بينما قد يذهب البعض الثالث ابعد ليقول: بعدين معكم انتم اصحاب ايديولوجيا الزمن العربي القومي…؟! وغير ذلك من الردود والتعليقات.

في المشهد الصراعي الفلسطيني العربي – الإسرائيلي المتبلور في الوعي الجمعي العربي منذ نشأة ذلك الكيان، ان هذا الصراع مع المشروع الصهيوني صراع وجود وبقاء ”إما نحن وإما هم”، وهناك في الكيان لديهم نفس القناعات والرؤيا ويعتبرون صراعهم معنا وجوديا وهم يرسمون سياساتهم على هذا الاساس، وفي ضوء تبدد كل احتمالات المفاوضات والتسوية  اقامة الدولة الفلسطينية، فقد اصبحنا مجددا امام عودة بالصراع مع المشروع الصهيوني الى البدايات، والابرز في كل ذلك اننا امام ادبيات ونظريات صهيونية قديمة- جديدة – متجددة تبعث لديهم هواجس القلق والوجود والمصير على الرغم من تحولات البيئة الاستراتيجية العربية الى بيئة رسمية مطبعة في معظمها،  فظهر  هناك في المشهد الاسرائيلي من يطلق عليهم “انبياء زوال- نهاية اسرائيل”، وتزايدت لديهم “نبوءات النهاية”، واصبحت مسألة ”زوال اسرائيل” على اجندة الجدل الصهيوني علانية وصريحة، فلا يستغربن أحد ذلك.

فالمتابعة الحثيثة للتفاعلات  داخل الدولة – المجتمع والمؤسسات الامنية الفكرية السياسية الاكاديمية الاعلامية الاسرائيلية، تظهر جدلا استراتيجيا حقيقيا متسعا حول مستقبل “اسرائيل” والحركة الصهيونية، وان كان هذا الجدل يعود في بداياته الى ما قبل وخلال وبعد النكبة، حيث تساءل الآباء المؤسسون آنذاك حول مستقبل “اسرائيل” وشروط بقائها، ويعود كذلك الى ما بعد  احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان عام1967، حيث كتب البروفيسور اليهودي المناهض لـ ”إسرائيل” يشعياهو ليبوفيتش مرة : “في اليوم السابع، اللاحق لسادس أيام تلك الحرب، ستبدأ نهاية إسرائيل إذا لم تستيقظ”.

و ”إسرائيل” الشمشونية الغاشمة لم تستيقظ بالمعنى الذي ذهب اليه ليبوفيتش، بل تمادت وذهبت أبعد وأبعد عميقا في  سياسات التطهير العرقي والتوسع والاستيطان، وفي سياسات الغاء الآخر بالقوة الغاشمة، ما اجج عمليا الصراع واعاده الى بداياته، وما كرس مفاهيم وقناعات عربية راسخة بان الصراع  وجودي واستراتيجي.

فباتوا من جهتهم يجمعون الى حد كبير على “ان اسرائيل تقاتل على وجودها واستمرارها”، ما يثير القلق الوجودي لديهم  كلما واجهت تلك الدولة  مأزقا او ازمة معينة، فتحولت ”اسرائيل” الى ما يمكن ان نسميه ”دولة الأزمات الوجودية”، وتحولت كافة العناوين لديهم الى عناوين وجودية ترتبط ارتباطا جدليا بأمنها ووجودها ومستقبلها.

ولذلك نتابع هواجس الوجود تتفاعل على اجندة الجدل الصهيوني-اليهودي بقوة، ونتابع كيف اصبحت دولة “اسرائيل” تحت وطأة القلق واسئلة المصير القادم، وأدبياتهم وتنبؤاتهم في ذلك متزايدة، فها هو ابراهام بورغ رئيس الكنيست سابقا في مقدمة الذين يتنبؤون بـ ”أن إسرائيل غيتو صهيوني يحمل بذور زواله في ذاته -“بعد صهيوني”- ملحق هآرتس”، وكذلك الكاتب المعروف “ب.ميخائيل” يكتب في يديعوت عن ”نهاية دولة إسرائيل تلوح في الأفق”، وكاتب إسرائيلي ثالث يتحدث عن “اقتراب انهيار الصهيونية” ورابع يقول : ”إن إسرائيل وجود مفتوح للجدل – ناحوم برنياع – يديعوت احرونوت”، وخامس يتساءل : هل أوشكت “دولة اليهود” أن تكون “مشهداً عابراً – ابراهام تيروش- معاريف-“، بينما شكك العالم الصهيوني الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، “إسرائيل أومان” باستمرار وجود الدولة العبرية على المدى البعيد، مشيراً إلى أن “عدداً كبيراً، وأكثر مما ينبغي من اليهود لا يدركون لماذا هم موجودون هنا”، مضيفا “إذا لم ندرك لماذا نحن موجودون هنا، وأن إسرائيل ليست مجرد مكان للسكن فيه، فإننا لن نبقى”، بينما تنبأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الحليف الاستراتيجي لـ ”اسرائيل” من جهتها بزوال “إسرائيل” مؤكدة : ”أن انهيار إسرائيل خلال 20 عاماً المقبلة أمر محتوم ولا مفر منه”، مضيفة : ”أن أكثر من مليوني إسرائيلي بينهم 500 ألف يحملون البطاقة الخضراء أو جواز سفر سوف يتوجهون إلى أمريكا خلال الأعوام الـ 15 المقبلة، وأن حوالي مليون و 600 ألف إسرائيلي يستعدون للعودة إلى أوطانهم في روسيا وأوروبا الشرقية والغرب”.

فكل هذه العناوين المتعلقة بهواجس الوجود والمصير والمستقبل التي اخذت تتفاعل على الاجندة الصهيونية واليهودية بقوة متزايدة،  ليس فيها مبالغة او تهويلا او تزييفا ..وانما هي حقيقية، فلاول مرة في تاريخها لم تعد تلك الدولة العبرية محاطة بذلك الجدار الفولاذي الذي لا يخترق ولا يتحطم، كما لم تعد القيادات والمؤسسة الامنية الاسرائيلية التي قادت حروب ”اسرائيل” على مدى العقود الماضية تحظى  بثقة الاسرائيليين، كما لم تعد دولة “اسرائيل” تشكل ملاذا آمنا حصينا مصانا ليهود العالم، بل ان اكثر من سبعين بالمئة من الاسرائيليين يعربون عن انعدام ثقتهم بصورة مطلقة بصورة “اسرائيل” السياسية – الأمنية، وكذلك اركان ذلك المجتمع الصهيوني، اخذوا بجموعهم  يتحدثون ويتساءلون  بقلق متزايد عن مستقبل “اسرائيل” ومستقبل المشروع الصهيوني، بل ومستقبل الشعب اليهودي ايضا، الامر الذي يجعل من “وجود اسرائيل” مفتوحا للجدل، ويضع علامات استفهام حول اعتبارها مشهدا عابرا في التاريخ كما كانت دويلات اليهود-المزعومة- سابقا…!”.

التسعيني اليهودي المخضرم أوري إفنيري – توفي منذ مدة قريبة – أحد أركان معسكر السلام الاسرائيلي المتفكك يعزز هذا الجدل الوجودي حول مستقبل الدولة الصهيونية حينما يتساءل في لقاء مع مركز مدار للدراسات الاسرائيلية قائلا: هل سيكتب لهذه الدولة البقاء؟، وهل ستكون هنا بعد مرور 100 عام ؟، أم إنها ستكون حدثا عابرا، مجرّد “ومضة” من التاريخ؟.

وصولاً إلى تصريحات نتنياهو في هذا الصدد التي تستحق التركيز عليها، فقد من أي مخاطر وجودية قد تواجه دولة إسرائيل، وشدد على ضرورة أن تكون الدولة على أهبة الاستعداد للتهديدات التي تهدد وجودها، ليتسنى بعد ثلاثة عقود الاحتفال بيوم  ميلادها المئة : 10/10/2017، مضيفا : ”أن مملكة الحشمونائيم نجت فقط 80 عاما، وأنه يعمل على ضمان أن دولة إسرائيل سوف تنجح هذه المرة والوصول إلى 100 سنة”.

فحينما يشتعل الجدل الوجودي المصيري المستقبلي على أجنداتهم الاستراتيجية واليومية، وعلى مختلف المستويات الأمنية، السياسية، الاكاديمية، والإعلامية، وحينما يتزايد عدد أنبياء “زوال إسرائيل”، وتتكامل نبوءاتهم حول نهايتها، فإن المسألة تغدو حقيقية وتتغلغل في صميم وعيهم، وتبقى مسألة وقت، ويمكن للفلسطينيين والعرب أن يُعَجِّلوا بهذه النهاية الحتمية للدولة الصهيونية، إن هم تحملوا مسؤولياتهم التاريخية والعروبية، وإن هم تكاملوا معا ومع العالم الإسلامي، ليشكلوا قوة حقيقية في مواجهة تلك الدولة التي يجب أن تصبح مشهداً عابراً في تاريخ المنطقة…!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى