أصداء وآراء

إعادة العمارة .. أم إعادة الوطن ؟؟..

السفيـر/ معصوم مرزوق

مساعـد وزير الخارجية المصري الأسبـق

إعادة العمارة .. أم إعادة الوطن ؟؟..

 

سكتت المدافع في غزة ، في نفس اليوم الذي كنت أحتفل فيه بالذكري الثانية لخروجي من السجن ، ورأيت في ذلك بشارات وعلامات .. وكأنهم يحتفلون معي بتلك الذكري .. وجدتني أتوجه إلي السماء قائلاً : ”يا رب ، بحق هذا الآذان الذي يصدح من مآذن الأقصي ، ليكن ذلك إسراء إلي الحرية ومعراج إلي الكرامة” وأردد صلاة عيد مؤجل ” نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده”.

سكتت المدافع في غزة ، ولكن بعض ما يتردد من جدل الآن مؤسف، بل وخطير ومتكرر، ولقد سبق أن أنكرت أن قضية الشعب الفلسطيني العادلة يمكن أن تختصر إلي مجرد قضية خيرية تتعلق بجمع التبرعات ، فهي قضية تتعلق بحقوق هذا الشعب وأبرزها حق تقرير المصير . لذلك من الضروري قبل التفكير في إعادة بناء المنازل ، أن يتم العمل بجدية علي إعادة بناء المواقف التي تحمي هذه المنازل من تكرار الهدم كما حدث كثيرا خلال الأحقاب الماضية.

إن هندسة الموقف الفلسطيني يجب أن تستند إلى ما أضافته نتائج الإشتباك الأخير من تغير في ميزان القوة ، وإذا كانت إعادة بناء ما تم تدميره من بنية أساسية وعمارات يمثل أهمية كبيرة ، لكنه ليس القضية الملحة ، فلقد تكرر ذلك الدمار أكثر من مرة ، وتم إعادة بناء ما تهدم كي يتهدم مرة أخري ، بشكل يشبه أسطورة “سيزيف” عن الرجل الذي يدفع صخرة ضخمة إلي قمة جبل ، كي تنزلق كل مرة إلي القاع مرة أخري ، ليكرر رفعها بلا توقف بشكل عبثي.

ولقد ذكرت في مقال سابق تحت عنوان : ”صواريخ العيد من غزة” أن ”العدوان الصهيوني قد وحّد فلسطين بكل أجزائها .. داخل الخط الأخضر وخارجه .. لم يبق سوى زوال الحكم العنصري من علي الأرض المقدسة ، لتعود وطنا لكل مواطنيها أيا كانت ديانتهم”.

لقد بدأت بالفعل تبدو من بين دخان النيران ، ملامح معادلة جديدة تطل برأسها وتتحدي ، تهتف الهتاف الذي تاه في سنوات ”أوسلو” المظلمة : ”القدس عربية .. كل فلسطين من النهر إلي البحر عربية” ، وأصبح من الواضح انتهاء شرعية أوسلو التي استمرت قرابة ثلاثين عاما بلا طائل ، وبرزت شرعية المقاومة التي كانت هي نفسها التي أجبرت العدو قبل ثلاثين عاما علي الهروب إلي صيغة أوسلو.

في أول صلاة جمعة بعد وقف إطلاق النار شهدت باحات المسجد الأقصي من الزحام والهتاف غير المسبوق ، الذي يعكس وزن النصر رغم كل أكاذيب المنهزمين.

لقد حاول “النتن ياهو” وأركان عصابته في مؤتمر صحفي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من معركة الصورة … رغم أن كل إنجازاته هي قتل الأطفال والنساء وتدمير المباني .. ولكنه لم يستطع أن يخفي الحقيقة بأنهم لم يجرأوا علي إرسال جندي واحد عبر حدود غزة .. لقد غرسوا الجبن في نفوس قطعانهم.

قد كتبت قبل ما يزيد على ربع قرن : ” أنه يجب أن يشعر المحتل بكلفة الإحتلال ، وأن كل تجارب الشعوب تؤكد أن المقاومة هي الطريق إلي الحرية ، فلقد تفاوض المصريون لمدة جاوزت نصف قرن مع المحتل البريطاني ، ولم يبدأ ذلك المحتل في التفكير في الخروج إلا بعد اشتداد المقاومة المسلحة في منطقة القناة”.
وكنت أكرر رغم العنت والإساءات : ”أعيدوا الشرف للبندقية الفلسطينية .. المقاومة ليست إرهابا”.

ومن المؤسف أن هناك من يحاول إجهاض المعادلة الجديدة التي كتبها الشهداء بدمائهم ، باستخدام حجج لا يسندها أي نضال شعبي في التاريخ ، أو أي قراءة واعية لما حدث ويحدث من تلاعب بمفهوم السلام ، أو حتي ما أكده سلوك العدو الصهيوني منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتي الآن ، فبينما انشغل العرب في متاهات ” التفاوض ” الذي يهندسه العدو كما يشاء ويطرحه ” الوسيط ” الأمريكي بالمزاج الصهيوني ، كانت قطعان المستوطنين تلتهم الأرض أي ” موضوع ” التفاوض ! .
ويقولون إن أي اتصال يجب أن يتم من خلال سلطة رام الله ، وأن المساعدات لإعادة البناء لن تبحث إلا مع أبو مازن ، وكالعادة يتم قذف بعض المشهيات مثل ” استعادة المفاوضات للتوصل إلي حل ” ، بينما العرب العاربة والمستعربة تردد بلا توقف ” حل الدولتين (دولة فلسطينية علي حدود الرابع من يونيو وعاصمتها القدس الشرقية) ومبادرة السلام العربية التي طرحت رسمياً منذ عام 2002 ” ، دون أن يشرح أحد تلك المقولات التي تبدو وكأنها فراشات ملونة تهوم في الفضاء ، لأن الواقع أنه لم يعد في الضفة الغربية ما يمكن أن يمثل حدود الرابع من يونيو 1967 ، أو حتي الرابع من يونيو 1990 ، أو 2002 .. والأرض تتآكل بمرور الزمن ووفقاً للمخطط الصهيوني الذي لا مانع لديه من ترك العرب يحلمون بفراشاتهم الملونة وهم يرقدون علي أسرة تفاوض غير موجودة ، وكما قال رئيس وزراء العدو عشية مؤتمر مدريد ” إن التفاوض يمكن أن يأخذ عشرات السنين”.

لقد مارس الكيان الصهيوني البربري منذ تأسيسه وحشية لم يمارسها هتلر ، ولم يتوقف عن ذلك رغم رضوخ العرب لكل ما طلبه من أجل السلام ، وأصبح من الواجب علي العالم ان يحاصر هذا الكائن المشوه قبل أن ينفجر الشرق الأوسط كله ، كما يجب علي العرب الآن ان يتوقفوا عن الغزل غير المشروع مع هذا الكائن المشوه ..أنه أسوأ من الأبارتيد.

لست في مقعد النصيحة لمن عطر تراب فلسطين بدمه الطاهر .. وأعرف أنهم يدركون أن المقاومة هي نوع من التفاوض الخشن ، يكمله التفاوض الناعم إذا توافرت شروطه .. ولابد من تفادي النيران الصديقة ، وطعنات الظهر .. وأهمية الإقتصاد في الذخيرة واستخدامها بكفاءة فقط لتحقيق أعلي عائد .. وقبل كل شئ وبعده فهم يدركون ان ” النصر صبر ساعة ” .. ولا أملك سوي الدعاء بأن يسدد الله رميهم ..
ولكن يجب ألا يفلت المجرم بجريمته ، ولابد أن ينصت الجميع لكلمة المقاتل علي أي مائدة مقبلة للتفاوض ، وان يبقي توازن الرعب بغض النظر عن عدم إمكانية تحقيق توازن الردع ، وأن تشفي المنطقة من حمي التطبيع مع العدو .. مع جرعة معقولة من الخجل!!.

كما أنه على كل أفراد الجاليات العربية والإسلامية باعتبارهم سفراء يمثلون فلسطين ان ينقلوا للعالم حقيقة وحشية نظام الأبارتيد الإسرائيلي .. بكل الوسائل السلمية .. مسيرات ، تواصل اجتماعي ، رسائل الي البرلمانات ، وسائل إعلام .. نحن عددنا أكثر ولدينا الحق ، وسوف يسمعنا العالم مثلما استمع لأصوات أشقائنا في جنوب إفريقيا.

لقد ظل الغرب لفترة طويلة يطلق علي مانديلا لقب ” إرهابي ” ، حتي أدرك بعد مرور ما يزيد علي ربع قرن أنه ” رجل دولة ” من طراز فريد وأحد صناع السلام ، ولقد كان اليهود كذلك يعتبرون السيد المسيح منشقا وداعية للفرقة ،رغم أنه الذي بعث لإنقاذهم من الشرود ..ولقد دأب الإستعمار علي وصف حركات المقاومة دائما بوصف الإرهاب ، وربما ذلك أمر طيب لأنهم يرهبون به قطعان المستعمرين ، وعلي كل حال علي المستضعفين أن ”يعدوا ما استطاعوا” كي ”يرهبوا عدو الله وعدوهم”.

هندسة الموقف التفاوضي الجديد يجب أن تتضمن أيضاً التوجه إلي المحكمة الجنائية الدولية بشكاوي ضد “النتن ياهو” وأركان عصابته لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، وطلب مواصلة الجمعية العامة في بحث جريمة العدوان ، والعمل علي استصدار قرار جديد بوقف الإستيطان ومنع تغيير الوضع الديمغرافي في الأراضي المحتلة وخاصة في حي الشيخ الجراح ، والتقدم الي مجلس حقوق الانسان في جنيف بوقائع الإنتهاكات غير المسبوقة لحقوق الإنسان الفلسطيني ، مع تجديد المطالبة بنزع سلاح إسرائيل النووي خاصة بعد ثبوت إستخدام إسرائيل المتكرر لأسلحة وذخائر محرمة دوليا.

لابد أن يرغم قادة الصهاينة علي إدراك أن المعادلات القديمة قد تغيرت ، وأن ما اعتادوا عليه منذ النكبة وحتي فترة قصيرة مضت لم يعد صالحا ؟ ، فلقد اعتادوا علي استخدام سلاح متفوق ضد العرب الذين لم يملكوا الردع الكافي .. ولكن تطور التكنولوجيا وخاصة في سلاح الصواريخ لن يجعل إجرامهم يمر دون عقاب ، وكل يوم تمتلك المقاومة أسلحة أقوي مثل الطائرات المسيرة وغيرها.

فربما يدرك عقلاء الكيان الصهيوني – كما أدرك عقلاء نظام الأبارتيد – أن بقاءهم مرهون بالتخلي عن نظام الأبارتيد الصهيوني ، وقبول التعايش السلمي في دولة لكل مواطنيها بعد عودة النازحين.

وعندما تردد ان اسرائيل ستعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد (كإجراء تستهين فيه بالمقاومة الفلسطينية) ، رجوت أن تعلن المقاومة أنها تحتفظ لنفسها بالحق في مواصلة القتال إلا إذا تم إطلاق سراح من تم اعتقالهم بما في ذلك العرب داخل الخط الأخضر ، وكذلك وقف كل الإجراءات لنزع مساكن الفلسطينيين في الشيخ الجراح ، ووقف كل الأنشطة الإستيطانية ، وتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل .. لقد خسرت إسرائيل معركة الصورة في العالم ، ويجب علي المقاومة مواصلة حصار إسرائيل سياسيا وإعلاميا.

إستراتيجية المقاومة يجب أن تهدف إلي أن يصل إلي كل صهيوني أن السلام والأمن لا يتجزأ .. ولن يهنأ بأي سلام أو أمن إلا عند تمتع كل فلسطيني بها .. مهما طال الزمن وزادت الآلام .. لن يختفي شعب فلسطين ، ومدده الكبير في محيطه العربي والإسلامي .. لقد أصبح نظام الأبارتيد الصهيوني عبئا علي من يعيش في الأرض المقدسة بما في ذلك اليهود ، وعبئا علي الإقليم ، وعبئا علي العالم.

ومن ناحية أخري ، وكما كتبت قبل ذلك أيضاً في مقالات ودراسات ، فلا زلت أرى أهمية لبناء نظام إقليمي أمني يستند إلى قواعد القاهرة / أنقرة / طهران لمواجهة التحديات القادمة وأهمها محاولة فرض النفوذ الصهيوني علي الشرق الأوسط ، مع انسحاب الإهتمام الأمريكي من المنطقة . أنه في رأيي تحالف الضرورة الذي لا يختلف سوي في تفاصيل معينه عن التحالف الذي نشأ في أوروبا لمواجهة الخطر النازي في الحرب العالمية الثانية ، أو التهديد الشيوعي بعد انتهاء تلك الحرب.

خلال حرب الإستنزاف علي الجبهة المصرية ، كان العدو الصهيوني يشن غارات يومية متواصلة ويقصف بوخشية مواقع القوات بأبشع الذخائر وأشهرها النابالم السائل الذي كان يصب حرائقا علي أبدان الرجال ، وكذلك المهندسين والعمال الذين كانوا يجتهدون تحت القصف للإنتهاء من قواعد الصواريخ ( التي نفعتنا كثيرا في العبور ) ، كما بلغت وحشية العدو مداها بقصف مدرسة بحر البقر للأطفال ، ومصنع أبو زعبل .. كان الموت والدمار عنوان كل يوم .. وصمدنا .. وجاء يوم التحرير والنصر .. وانتقمنا .. كانوا يصرخون ويبكون ونحن نصب عليهم جام غضب السنين .. وسيحدث ذلك ذات يوم في فلسطين بأذن الله ، واتمني ان يمد الله في عمري حتي أراه.

وختاماً أكرر أن إعادة بناء ما تم تدميره هام .. ولكنه ليس القضية .. يجب ألا يفلت المجرم بجريمته ، ولابد أن تسمع كلمة المقاتل وطلقته علي أي مائدة مقبلة للتفاوض ، وان يبقي توازن الرعب بغض النظر عن عدم إمكانية تحقيق توازن الردع ، وأن تشفي المنطقة من حمي التطبيع مع العدو .. مع جرعة معقولة من الخجل!!..

نعم سقطت الأبراج في غزة .. ولكن الذي بقي شامخا هو الإنسان الواعي ، وويل لإسرائيل من أجيال عاشت طفولتها تحت القصف …لن يعرفوا الخوف أبدا ، والمستقبل لهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى