أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

إلى أين الوجهة ؟!..

رحمة بنت مبارك السلماني

 

إلى أين الوجهة ؟!..

 

الحمد لله حمداً كثيراً أننا لا زلنا نتنفس حتى الآن، بعد أن خلعنا الكمامات وعدنا لممارسة شغفنا في التجوال والذهاب والإياب، بعد عامين من العذاب ونكبات اليأس والاكتئاب، وإغلاق المنافذ والأبواب، عادت المياه لمجاريها بعد قحط وطول غياب، ولم تقتل رغبتنا في الحياة بل منحتنا ملايين الأسباب، للمغامرة وتحدي المزيد من الصعاب.

مع بداية الاجازة الصيفية وارتفاع درجات الحرارة ومع بداية نسمات الخريف بمحافظة ظفار الجميلة تتجه الأنظار صوب مرسى القلوب وسحر الجنوب هرباً من اللاهوب، تلك البقعة الفريدة التي هي بمثابة قطعة من الجنة على الأرض، ولكن يحدث في اللحظة الأخيرة وبعد أن تكون قد قررت وحزمت حقائبك أن تتراجع لتغيير خطتك وتحويل وجهتك، وبعد أن تقع في حيرة بين أمرين كلاهما مر، إما أن تقوم بحجز تذاكر سفر بسعر مرتفع مقابل رحلة داخلية، أو تتحمل مشقة السفر عن طريق البر، والذي يكلفك قطع مئات الكيلومترات تحت وطأة ارتفاع أسعار الوقود وارتفاع درجات الحرارة على حد سواء، والمخاطر التي قد تواجهها على طول طريق الرحلة البرية حتى الوصول إلى محافظة ظفار.

بالإضافة إلى ذلك فإن قيمة الإيجار اليومي لمسكن في صلالة خلال موسم الخريف تعادل تذكرة سفر ذهاباً وإياباً لإحدى الدول الباردة القابعة في أوروبا، حيث تنبثق الخضرة من كل حدب وصوب، ويكسو بساطها الثمار الموسمية المتساقطة من على أغصانها الندية، وتتراقص على طرقاتها قطرات المطر وحبات الثلج بين الفينة والأخرى، وتعج بالكثير من أماكن التسلية والمتعة وبأسعار رمزية، حيث تتجول في أريافها بلا ازدحام ووسط أجواء خيالية، أو تقود دراجة هوائية بمحاذاة نهر الدانوب بكل انسيابية وخصوصية.

بينما تتنافس شركات الطيران في تقديم عروض مغرية للسفر وانعاش السياحة لزيارة بلدان عرفت كيف تجذب السياح لزيارتها وتزيد من ايراداتها السياحية، من أجل المساهمة في رفع اقتصادها والنهوض به من بين أنقاض الركود الذي زلزل العالم خلال العامين الماضيين، في المقابل تقوم شركات أخرى برفع أسعار تذاكر الرحلات الداخلية بصورة تشجع على احجام غالبية الناس عنها واقبال القلة عليها، ممن لا تتأثر محافظهم وحساباتهم البنكية بارتفاع الأسعار، خاصة بعد انجلاء أزمة كورونا ومتحوراته، ورغبة الكثيرين في العودة إلى ممارسة هوايتهم في السفر لاستكشاف بقاع مختلفة من العالم.

من المتوقع أن يزداد نشاط الرحلات السياحية خلال أيام إجازة العيد الأضحى لإضفاء المزيد من البهجة والمرح على فرحة العيد، لكن يبدو أن السياحة في عُمان لا زالت رهينة المساومات، لذلك ستستمر أسعار إيجارات النُزل والمساكن في الصعود تدريجياً، وللسبب ذاته صُمم سوق الحافة بذلك الشكل الذي أثار حفيظة الكثيرين، والذين لم يستطيعوا استيعاب قلق المعنيين من فقدان الهوية العمانية، ببساطة هم لا يريدون أن تسرق المباني الضخمة والتصاميم العصرية الغريبة انتباه السياح وتشتته، بل يسعون دائماً إلى أن يلتفت الناس إلى جمال الطبيعة الخلابة والتركيز بعمق على بساطة الأشياء.

عندما تزور محافظة ظفار يكفيك أن عيناك ستكتحل باللون الأخضر الذي يكسو السهل والجبل، وستتلألأ بريقاً حين تراقب تدفق العيون والشلالات، واندفاع النوافير على شاطئ المغسيل، وتتجول بزهو لتنتعش بزخات المطر أو الرذاذ الخفيف، وتنعم روحك بالطمأنينة والسلام حين تزور أضرحة الأنبياء وبعض الأماكن الأثرية، وتستنشق الهواء البارد حين تتبضع في المراكز التجارية، ثم تعود أدراجك قافلاً ومحملاً بالصوغات[1] من المشلي وجوز الهند والبخور واللبان، وذاكرة محملة بذكريات تشبه ذكريات الأعوام التي قبلها لا شيء جديد فيها.

 

[1] هدايا للأحبة بعد الرجوع من رحلة أو سفر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى