أصداء وآراءأقلام الكتاب

إننـي أحـب الكـويـت..

الكاتـب/ عبدالله الفارسي

 

إننـي أحـب الكـويـت..

لا أدري لماذا  أعشق دولة الكويت.

لماذا  حين أسمع أسمها أشعر برشة من السعادة .. وومضة من الإرتياح .. ولسعة  من القشعريرة العذبة ؟؟

هل لأن هذه الدولة الحبيبة كانت في يوم ما مصدر رزق والدي  وأهلي ؟؟

لقد اشتغل أبي في الكويت .. وأطعمنا من مال الكويت.

وبنى لنا بيتنا من رزق الكويت.

وأسعدني بأول دراجة هوائية في حياتي جلبها لي من الكويت.

أم  لأنني كنت أعشق كل ما يصل إلى يدي من مجلات الكويت ، وكتبها ، وصحفها !!.

أم لأنني معجب مغرم بثقافة الكويت ومثقفيها وأساتذتها  ومفكريها وأقلامها !!.

لا  أعلم السبب بالضبط .. كل ما أعرفه ومتيقن منه هو إنني أحد محبي الكويت.

إنني أحب الكويت..

أذكر جيدا حين بدأ الغزو العراقي الغاشم على الكويت .. أذكر ذاك الصباح التعيس حين استيقظنا على ذاك الخبر الفاجع ..  وصفعنا ذلك النباء المرير  .

أذكر تماما ذاك  الغضب الذي تلبسني .. وتلك اللعنات التي اجتاحت صدري درجة البكاء والنحيب.

خرجت بسيارتي .. ووقفت على الرصيف أبكي كطفل يتيم شريد .

 أذكر كيف سقطت مريضا من هول الصدمة .. أتلوى في فراشي كدودة حقيرة.

إنني أحب الكويت..

كانت لي عمة طيبة أحبها كثيرا .. إنتقلت الى الكويت مع إبنتها وزوجها في العام 1966.

كحال كثير من العمانيين في تلك الفترة.

بعضهم من قرر أن يستقر في الكويت .. والغالبية العظمى  آثارت  العودة  إلى وطنها  بعد بداية الحكم الجديد.

لم أكن أعرف شيئا عنهم  كل الذي أعرفه أنهم يسكنون في مدينة حولي .. وأن زوج إبنة عمتي كان يعمل مشرفا للعمال في إحدى مدارس حولي.

ولكني كنت أحب أن أغامر في كل شيء خاصة في السفر.

فقررت السفر .. والنزول في فندق رخيص .. ثم البحث عنهم في مدينة حولي.

حجزت تذكرتي وقررت زيارة عمتي.

في الطائرة صادفت  عائلة عمانية.

وجلس بجانبي طفلهم الأكبر .. أذكره تماما.

كان اسمه غريب جدا .. ولذيذ في ذات الوقت، ولايمكن  أن أنساه أبدا، كان إسمه سرمد.

عجبني ذلك الاسم.

وقررت أنه حين أتورط يوما ما وأقرر الزواج .. وحين يرزقني الله بولد  سأسميه “سرمد” .

في الطائرة سألت “سرمد” .. أين تسكنون في الكويت يا سرمد ؟؟.

فقال بسرعة طفولية : في (حولي).

فقفزت فرحا.

يالله .. تسكنون مدينة حولي .. إذن أنتم تعرفون عمتي عائشة.

فقال الولد بنفس السرعة : نعم إنهم جيراننا.

قبلته قبلة شكر وعرفان دون موافقته .. فتجلل وجهه حمرة خجلا .. وحياء.

إذن .. لن أحتاج إلى فندق .. ولن أحتاج الى عناء البحث والتنقيب عن مكان بيت عمتي.

إنتهينا من إجراءات دخولنا إلى المطار.

وتعرفت على والد سرمد أثناء إنهاء إجراءات  الدخول .. وأخبرته عن قصة سفري وحكاية عمتي .. فقال : أنت محظوظ.

هذه المرة  الوحيدة  التي يتصالح معي الحظ ويحضنني بهذه الطريقة.

بعدها  لم أرى الحظ .. ولم أسمع عنه أبدا  حتى اللحظة.

أخذنا سيارة  أجرة  واحدة .. أنا وعائلة أبي سرمد  .

ركبت مع أبو سرمد  في المقعد الأمامي .. وزوجته وأطفاله الثلاثة أخذوا المقعد الخلفي.

كان التاكسي من نوع  شفرولية كابرس موديل 98 .. من تلك النوعية الفاخرة والواسعة والمريحة.

وصلنا مدينة حولي.

وقف التاكسي أمام بيت عمتي .. قال لي أبو سرمد : ” هذا هو بيت الأخ أبو عبدالله”.

ونحن بيتنا على بعد شارعين من هذا المكان .. ننتظر زيارتك “.

نزلت .. وأخذت حقيبتي .. ودعت أبو سرمد بابتسامة وعناق .

وقفت أمام بيت عمتي وكلي لهفة وشوق لرؤية وجه عمتي الذي لم أره منذ  إثني عشر عاما.

طرقت الباب .. فتحه إبنهم الأصغر محمد .

إندهش من المنظر الذي أمامه .. شاب عماني مبتسم وحقيبة على الأرض .

قال لي : من أنت ؟؟

قلت له : أنا عبدالله.

أخبر أمك بأن عبدالله إبن خالك وصل من عمان الآن، وهو متسمر يرتعش من البرد على الباب.

كان الوقت شتاءً .. كنا في شهر يناير .. وكان برد الكويت يقص المسمار إلى نصفين كما يقولون.

رغم أنني كنت مرتديا جاكيتا ثقيلا .. إلا أنه لم يقدم لي شيئا من الدفء .. ولم يحمني من قرصة برد الكويت القارس.

دخل الولد فأخبر أمه عن صاحب الجاكيت الغريب المتسمر خلف الباب.

فجات إبنة عمتي تسبقها فرحتها وبهجتها بقدومي .. فسحبتني من يدي إلى الداخل .

 ثم جاءت عمتي تتهلل بشرا وتتراقص سعادة .. وأخذتني في حضنها كأنها تحضن ذاك الوطن الحبيب البعيد.

قضيت عشرة أيام في مدينة حولي .

كنت  أتسكع في شوارعها .. و لم أبتعد كثيرا عنها.

معظم سكان حولي كانوا من الوافدين من مختلف الجنسيات.

ما لفت نظري هو دماثة الكويتين .. وأخلاقهم وبشاشتهم الدائمة .. وحبهم للعمانيين ..

كنت أذهب أحيانا إلى مطاعم المدينة في المساء، حيث يأتي الناس على شكل عائلات ومجموعات يتناولون الحلويات اللذيذة التي يتميز بها أهل الشام .

كانت المطاعم واسعة نظيفة .. أنيقة .. وكان الكويتي يأتي بعائلته كاملة يجلسون خلف طاولة طويلة  يتناولون الكنافة  اللذيذة  في ليالي الشتاء الباردة .

المنظر كان غريبا لي .. فنحن لم نعتد في تلك السنوات البعيدة دخول الأب وأسرته وجلوسهم في مطعم مفتوح أمام الجميع .

بينما في الكويت كانت العقليات متقدمة كثيرا علينا .. والعادات الإجتماعية منفتحة.

ما  أجملهم وهم يأكلون معا ويضحكون ويتقشمرون ثم يخرجون ووجوهم محمرة  من فرط المرح والسعادة .. ولسعة البرد   .

كنت أراقب تآلفهم .. وإنسجامهم .. وأستمع الى نكاتهم  وسخرياتهم  التي يتميز  بها الكويتيون.

وكأنني أتابع منظرا على  شاشة  تلفاز لمسلسل كويتي ممتع  ..

الشيء المذهل والذي رفع من رصيد حب الكويت في قلبي هو أنه حين حدث الغزو الغاشم .. هرب كل  الوافدين .. لقد هرب زوج إبنة عمتي مع عائلته .. نزح مع النازحين خوفا على حياتهم .. وعاد إلى وطنه .. ولم يحمل معه سوى بضعة دنانير قليلة كانت في بيته .. وترك وظيفته وبيته وحقوق عمل دام أكثر من خمسة وعشرين عاما .

وصلوا إلى وطنهم عمان منهكين .. متألمين لا يملكون شيئا  .

ولكن حين نصر الله الكويت .. وعادت الأمور كما كانت واستقرت أوضاع الكويت وأهلها ودفنوا جراحهم وحاولوا تناسي فاجعتهم .

بعد ستة أشهر فقط من عودة الكويت جاء أتصال إلى زوج إبنة عمتي من السفارة الكويتية في مسقط  .

فتفاجأ الرجل بالإتصال .

فذهب إلى السفارة وإذا  بشيك فيه مبلغ بكل مستحقاته المالية ونهاية خدمته الطويلة في الكويت .. ومعه رسالة شكر وتقدير من الحكومة الكويتية تدعوه فيها للعودة إلى الكويت في أي وقت يشاء .

شيء عجيب وفريد وعظيم لا يمكن أن يحدث في أية  دولة من دول العالم حدث معها ما حدث في الكويت.

ولكنه حدث في الكويت.

ما أجمل الكويت .

وما أجمل شعبها.

كم أحبك يا كويت وكم  أشتهي زيارتك مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى