أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

إنّا نغرق .. نغرق .. نغرق..

شـيـخـة المـحـروقـيـة

 

إنّا نغرق .. نغرق .. نغرق..

 

كم نحن غارقون في الماضي إلى الحد الذي يجعلنا مرهقين متعبين لا نتلذذ بطعم الحاضر ولا نقدّر ما نمتلكه بين أيدينا اليوم، ولا نستطيع المضي قدمًا نحو المستقبل؛ فرؤوسنا استدارت إلى الخلف وأعيننا لا ترى سوى الماضي، نمد سلاسلنا نحو إرثنا الكبير الضخم ونلف أغلالاً حول عنق التاريخ ليبقى دائمًا أسيرًا في قبضتنا حتى لا يتجرّأ أي أحد أن يناله منّا.

كان التاريخ والتراث في عمان مصدر إلهام للأجيال المتلاحقة؛ فولد من رحم ذاك التراث العظيم إبداعًا عمانيًا أصيلاً، إذ في الوقت الذي كان العالم يتنافس على بناء ناطحات السحاب، ركزت عمان على أن تكون عصرية بطريقتها الخاصة فامتزجت أصالتها مع روح الحداثة.

كنا نتقدم نحو المستقبل وماضينا يرافقنا كصديق حميم يهون علينا فوضى الحاضر ويلهمنا لنبدع ونتطور، ولكننا لم نفهم الفكر السامي من دمج القديم بالحديث الذي كان يقودنا عبر سلسلة الزمن وفق تدرج منطقي لئلا تحدث فجوة بين الأجيال، وسوء الفهم هذا أغرقنا في تراثنا؛ فأصبح البنيان من حولنا قلاعًا وحصونًا، ومعظم لوحاتنا الفنية وصورنا الفوتوغرافية وأعمالنا الإعلامية تجسد وتوثق التراث والتاريخ، ورواياتنا ومعارضنا التي نشارك بها عالميًا ارتدت ثوب التراث من رأسها حتى أخمص قدميها، ومطاعمنا غدت تراثية مضمونًا وعنوانًا.

حين استشعرنا أن هناك من يتحرّش بفنوننا التقليدية صدحت الإذاعات وأُنتجت الأغاني والأناشيد بفن العازي، وحينما نُسبت بعض شخصياتنا التاريخية العمانية إلى غيرنا انتفضنا ها هنا وكتبنا المقالات والتغريدات وأطلقنا التصريحات وعقدنا الندوات لنثبت للعالم أن هذه الشخصيات لنا، ولم نفكّر للحظة أن تلك الأفعال ربما كانت نوعًا من الإلهاء السخيف عن الحاضر وتشتيتًا لعقولنا عن التركيز في المستقبل، وربما كان سلوكًا مريضًا بغرض الاستفزاز والاستهزاء، ونحن لم نخيّب التوقعات، فقد كانت ردود أفعالنا صلبة متشنجة حد الغرق في تلك الدوّامة.

غرقنا أكثر في ماضينا وهذه المرة في تراثنا غير المادي، وسابقنا المجهول ورفعنا الملفات إلى اليونيسكو لنوثق مفرداتنا غير الملموسة، ولم نتساءل لماذا هذا الصمت والعزوف عن “التحرش” في السنتين الأخيرتين، يا ترى هل استوعب الآخر أن حاضره سيكون تاريخًا لمستقبله؛ فانكبّ على صناعة إرثه الخاص به؟ نحن (الجيل الحاضر) بدورنا لم نقف للحظة لنفترض بأن جهودنا قد تذهب هباءً منثورًا في قادم السنين، فاليونيسكو تعمل حاليًا على مشروع قانون يجعل من التراث غير المادي تراثًا إنسانيًا مشتركًا بسبب تمازج الشعوب مع بعضها البعض تحت مفهوم القرية الواحدة، ناهيك عن أن خوفنا المبالغ به على فنوننا أعمانا عن تصديرها للآخرين بأساليب إبداعية تتناسب وذوقهم ومزاجهم العام؛ فسبقنا إليها مبدعون آخرون ينتمون للهوية العالمية التي تعرف كيف تحوّل المحلّي إلى عالمي كما فعل – مشكورًا – الفنان حمزة نمرة مع بعض أغنياتنا الشعبية.

كم نحن متشبثون بماضينا للحد الذي نسينا كيف نصنع إرثًا تتذكرنا به الأجيال اللاحقة، لطالما تساءلت: ما هي الفنون والأزياء والأكلات والعادات والقيم العمانية التي سيتذكرنا بها الجيل القادم بعد ألف سنة؟ إن الشباب المندفع نحو الابداع والابتكار يعاني من هذا التعلّق المريض بالماضي، فهناك دعوات متكررة بأن يكبح الشاب جماح خيالاته ويقف في مكانه بل ويتراجع خطوات نحو الوراء ليركز على التراث والتاريخ في كل نتاجاته خوفًا عليهما من الضياع، مناقضين بذلك أنفسنا بأنفسنا؛ فالإبداع يتطلب عقولا حرة منطلقة نحو الخيال لا أن تتحرك وفق إطارات ومعايير زمنية أو مكانية، كما أن الإبداع يتطلب تغذية بصرية وسمعية محفزة للخروج من الصندوق؛ بيد أن كل ما حولنا من مرئي ومسموع ومكتوب يغرقنا أكثر في أصغر مناديسنا التراثية.

حالنا اليوم يختصره المتنبي في شطره الشعري “أنا الغريق فما خوفي من البلل”، بسبب غرقنا في محيط الماضي فقدنا السمع إلى صوت العقل، فلم نعد نعرف في قاع أي بحر نحن كائنون، فما يضيرنا أن نغرق أيضًا في بحر قضايا حكومتنا حتى لم يعد لنا حديث سواها، وقفز الإعلام في ذات البحر ليسمعنا صوت الحكومة طوال الوقت وهي ترد على التساؤلات والمطالبات، ونسي أنه سُلطة رابعة وأمسى مُوجَهًا بأحاديث الشارع متمحورًا حول ردود الفعل أكثر من الفعل الإعلامي الحقيقي المتمثل في الإثراء وتعزيز المعرفة.

غَرَقُنا في تراثنا أغرقنا في هويتنا الجمعية إلى الحد الذي أصبحنا فيه نسخًا من بعضنا، حينما بدأ الكرك في تحقيق نجاح تجاري انتشرت مقاهي الكرك في جميع أنحاء عمان، وكذلك حدث مع مطاعم البرجر ومحلات القهوة المختصة التي أظن أن الغالبية لا يعرفون ماهيتها، وحين دخلت مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا غرقنا فيها فتأثرت أفكارنا وقيمنا وقناعاتنا وحياتنا وتوهمنا أنها القوة الجديدة لفرض التغيير المنشود، وهذا الغرق جعلنا نغض البصيرة عن مدى خطورتها، وإن حاولت أصوات مختلفة للصراخ في عمق هذا المحيط سيتملكها الخوف؛ لأن فتح الأفواه وقت الغرق يعتبر تهورًا وكتابة للنهاية المؤسفة.

غارقون حد التوهان في كل شيء من حولنا؛ فتشتت عقولنا ولم نعد نركز على تحقيق فرديتنا الوجودية وحضورنا الشخصي في هذه الحياة، فهناك ماضٍ مطالبون طوال الوقت بالذود عن حياضه، وهناك حكومة تعيش معنا طوال اليوم فما أن نصبح حتى نمسي ونحن معرّضون لأخبارها ووجوهها، وهناك الجماعة التي يصعب الخروج عن سربها خوفًا من النبذ والخسارة.

إنّا نغرق .. نغرق .. نغرق .. ما علينا إلا أن نمد أيدينا لبعضنا البعض وندفع بعضنا نحو السطح لنرى النور، وبهذا النور سيُحدد كلُّ واحد منّا بر الأمان الذي يريد بلوغه، ويتجه إليه دون مشتتات أو دوّامات تغرقه في غياهب التيه، نحن غارقون للحد الذي فقدنا فيه الإدراك بأننا في كل يوم نحن في بحر، ولم نعد قادرين على الاندفاع نحو السطح لنحدد موقعنا ونعرف ماذا نريد وماذا يمكن أن نزيد على هذه الدنيا حتى لا نكون عددًا زائدًا فيها.

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى