أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا..

طلال بن حمد الربيعي

 

إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا..

 

من خلال متابعتي لمشهد الأحداث المتسارعة خلال الفترة الماضية وانتشار ما يمكن ان يطلق عليها بقصاصات الاخبار غير معروفة المصدر وفي مواقع مغمورة تدّعي أنها تقدم مادة إعلامية تعمل على اثاره وتوجيه الرأي العام والتي كثيرا ما تحمل في طياتها أخبارا كاذبة او ملفقة لأخبار من بلدان أخرى بالإضافة إلى انتشار التحليلات والتعليقات من أشخاص ليس لهم علاقه بالمواضيع المطروحة سواء الاقتصادية او التربوية او الاجتماعية، وأمام غزارة هذه الأخبار المضللة في معظمها و المشاهد من هنا وهناك والتي في اغلب الاحيان تنقل دون تحليل أو تمحيص، ودون الاعتماد على أرقام واحصائيات دقيقة لا تلبث ان يتبناها بعض من يسمون بمشاهير التواصل الاجتماعي بهدف الشهرة وزيادة عدد المتابعين، فتنتشر في المجتمعات كأنتشار النار في الهشيم، قرأت قبل فترة لرجل الأعمال الأمريكي «بيل غيتس» صاحب شركات ماكروسوفت تصريحا يقول فيه : «الأكاذيب تنتشر بشكل أسرع من الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي»، وهذه العبارة تؤكد خطورة المعلومة وسرعة انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في ظل هذه المتغيرات وحجم المعلومات المتداولة الغث منها والسمين فنحن في أمس الحاجة لوجود منصة اخبارية او منصات اخبارية فاعلة ومؤثرة مهمتها تسليط الضوء على كثير من الشائعات والأخبار المضللة المنتشرة، تمدنا بتقارير وتحليلات مبنيه على معلومات ودراسات دقيقه يمكن من خلالها تفنيد الاكاذيب والشائعات المختلفة، كما تستطيع خلالها أي جهة نشر ما لديها من دراسات وافكار في وقت اسرع؛ بحيث تتمكن من الوصول إلى شريحه اكبر من افراد المجتمع بعيدا عن البيروقراطيه والطرق التقليديه، وبالتالي يتم محاصرة الشائعات وقتلها في مهدها؛ طبعا هذه المهمة ليست بالسهلة فهي بحاجة الى خبراء في التواصل الاعلامي يستطيعون صياغه الاخبار بطريقة تصل إلى جميع الشرائح والفئات وتعمل على مشاركة واسعة للاستقصاء عن المعلومات الصحيحة.

ففي دراسة – أجراها فريق بحثي من جامعتي إلينوي وبنسلفانيا الأمريكيتين- على منهجية التحليل التجميعي أو البعدي Meta-analysis، التي تقوم على التقييم المنهجي لدراسات سابقة تناولت الموضوع نفسه واستخلاص نتيجة عامة منها، وقد شملت بالتحليل 20 تجربة تضمنت 6878 مشاركًا، وهي التجارب التي أُجريت بين عامي 1994 و2015، نقلتها فاطمة عبدالفتاح في مجلة العلم .. ونشرتها – دورية جمعية العلوم النفسية الامريكية –
تتحدث هذه الدراسة عن العوامل الكامنة وراء فاعلية الرسائل المضللة او الاشاعات ومدى تغلغلها وسرعة انتشارها بين الناس حيث ان هناك ثلاثة متغيرات رئيسية، هي : التضليل، والتصحيح، وقدرة المعلومات المضلِّلة على الاستمرار، وتوصلت الدراسة إلى أن قدرة المعلومات المضلِّلة على مقاومة رسائل التصحيح تزداد حينما يولِّد الجمهور أسبابًا تدعم المعلومات المضلِّلة التي حصلوا عليها أولاً.

كما توصل الفريق البحثي إلى نتيجة مهمة؛ إذ ارتبط تقديم رسالة تصحيحية مفصلة إيجابيًّا مع مُعامل التصحيح ومع مُعامل استمرار التضليل أيضًا، أي أن الرسائل التصحيحية استطاعت التقليل من مصداقية المعلومات المضللة غير أنها لم تستطع وقف انتشارها.

وانتهت الدراسة إلى ثلاث توصيات لصانعي القرار؛
الأولى : بعدم منح الفرصة لإثارة الجدل والنقاشات الداعمة للمعلومات المضللة.
والثانية : بأن تتضمن رسائل التصحيح معلومات مفصلة وجديدة دون الاكتفاء بمجرد تكذيب المعلومة المضللة، والثالثة:إشراك الجمهور في مكافحة المعلومات المضلِّلة ونشر الوعي.

فبناء وعي هذه الشعوب ضرورة حتمية لمواجهة الواقع والتخطيط للمستقبل البعيد الذي سيكون فيه البقاء للأقوى والأكثر علما ووعيا، وعلينا العمل على التصدي بقدر الإمكان للشائعات التي تضربنا من طرف تيارات متعددة، بأن نقوّي إيماننا بديننا ومعتقدنا وتاريخنا وهويتنا، وأن نشتغل بما ينفع.

ومما لا شك فيه أن صنّاع القرار في الحكومة يدركون أن التغييرات والاصلاحات دائما ما تمر بمنعطفات صعبة وحساسة تحتاج إلى لحمة شعبية ومجتمعية، وأن سعادة الشعوب تكمن في شعورهم بقيمة الحياة وارتباطهم بالأرض التي يعيشون عليها وهذا لا يتأتى إلا من خلال الإقتراب من همومهم وتطلعاتهم و إعطائهم مساحة للمشاركة في صناعة القرارات وشافية في مناقشتها ؛ فهناك دائما معادلة طردية فكلما كانت الحكومة ومؤسساتها المختلفة قريبة من المجتمع ولديها معرفه حقيقية بتوجهات أفراده كلما استطاعت تمرير الكثير من الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية وتجنبت الكثير من الإشاعات وما تعقبها من ردود أفعال قد تؤثر سلبا على مسيرة البناء والتنمية، فبناء وعيّ المجتمعات ضرورة حتمية لمواجهة الواقع والتخطيط للمستقبل الذي سيكون فيه البقاء للأقوى والأكثر علما ووعيا، لذا علينا العمل على التصدي بقدر الإمكان للشائعات والأخبار المضلِّلة بتقوية هويتنا وانتماءنا ولحمتنا الوطنية، عند ذلك نستطيع ان ننطلق الى بناء المستقبل بخطى ثابتة وقوية.

وفي الختام نقول : المستقبل هو الذي يجب أن يكون شغلنا الشاغل هذا المستقبل الذي يجب علينا صنعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى