أصداءأقلام الكتاب

الآثار المنسية 

 

فـهـد الجـهـوري
كاتـب – سـلـطـنة عُـمان

almnsi2020@gmail.com

نزل مذعورا من طائرة الهليكوبتر التي كانت تقله ، لم يلتفت للجثث المتناثرة هنا وهناك ، بل هرول مسرعاً نحو ما تبقى من خرائط وقطع أثرية تاريخية تم نهبها وتحطيمها لحضارة بلده ، ومن ثم بدأ يجهش بالبكاء على ركبتيه متحسرا على قتل دلائل لوجود حضارة هنا في يوم من الأيام . 
هنا ينتهي المشهد لمسلسل أمريكي كنت أتابعه ، ولست هنا لتحليل المشهد السينمائي أو تمحيص السيناريو والمشاهد التي جاءت من بعده .
بل ما استوقفني كثيراً ، التفكير في وطننا العربي الكبير والآثار التي حطمت ونهبت بسبب الحروب المتواصلة في منطقتنا العربية ، لا شك أن الإنسان أهم من الحجر وهو أساس الحضارة وبانيها ومحورها ، لكن ما يهز الوجدان الإنساني أن تلك الدلائل على وجود الحضارات القديمة سواء كانت عربية أو غربية حينما تختفي لن تعود مرة أخرى ، وباختفاءها يختفي جزء من الإنسانية ، ودليل شاهد على علوم أو ثقافات متقدمة في حينها .
إن الحياة لا تعود للخلف مهما كانت الأسباب ، ولذلك تدمير أو نهب قطع أثرية إنما هو تدمير للإنسانية جمعاء ، مثلما حدث في العراق من نهب وتدمير عدد من القطع الأثرية للحضارة البابلية والسومرية والآشورية والكلدانية ، وكذلك في سوريا من تدمير جزء من مدينة تدمر الأثرية ، ومن قبلها في أفغانستان تدمير تماثيل بوذا الشاهدة على حضارة سوكوتاي المندثرة ، وغيرها الكثير في شتى أنحاء العالم .
إنه لمن المؤسف أن تذهب كل الشواهد التاريخية للحضارات الإنسانية على مدى الآلاف من السنوات الماضية هباء منثورا أمام أنظار العالم أجمع والذي لا يحرك ساكناً ، وعلى الرغم من الجانب المشرق للإنسان في العلوم التي وصل إليها في حينها وما زال بعضها لغزا على العلماء حتى يومنا هذا مثل الحضارة الفرعونية ، إلا إن بعض الدول الأوروبية لم تخفِ الجانب المظلم في العصور الوسطى التي عاشتها أوروبا قاطبة بل قدمتها للعالم كإرث تاريخي مخيف في متاحف متاحة للزوار ، وكشهادة تاريخية لأخذ العبر ، وأهم تلك المتاحف متحف العصور الوسطى في إيطاليا الذي يغص بالمعدات والأساليب البشعة للتعذيب في حينها ، كذلك شاهدنا الدول التي انغمست في أنهار الدماء أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية التي خلفت ملايين القتلى والجرحى ، شاهدناها كيف أنها لم تخفِ التاريخ البشع لهاتين الحربين ، بل قدمتها في متاحف حديثة كشهادة على تناقض نفس الإنسان الذي أبدع في مراحل معينة من الزمن ، وكذلك وحشيته في مراحل زمنية أخرى .
 
إن الحفاظ على الآثار التاريخية مسؤولية كبيرة جدا لابد من الإلتفات إليها ، ومحاسبة الحكومات المقصرة في صونها والحفاظ عليها من عبث العابثين ، لما تمثله من وثيقة مهمة تفاخر بها الأجيال المتعاقبة ، فإذا كان الغرب اعتبر أحداثاً حصلت في العصر الحديث مثل الحربين العالميتين الأولى و الثانية ، وصعود أول إنسان إلى القمر ، واكتشاف أول محرك بخاري ، والطيران بأول طائرة ، والآلاف من الأحداث والإنجازات …
 وقدمها كقيمة إنسانية تاريخية ، فماذا نقول نحن العرب عن الآثار التي بحوزتنا وقيمتها الإنسانية ؟
Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق