أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الآخـرون هـم “النـعـيـم”..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

الآخـرون هـم “النـعـيـم”..

 

وصلتني عدة تعليقات على مقالي الذي يحمل عنوان (الآخرون هم الجحيم)..

لا أكترث غالبا بتعليقات الكثيرين .. لكن هناك فئة معينة فقط هم من يهمني تعليقهم وتحفزني انطباعاتهم.

أحد هؤلاء القريبين من عقلي الأثيرين إلى قلبي عاتبني عتابا جميلا يقول في كتابه (أنت ذكرت الشق السلبي في مسألة الجيران ولم تتطرق إلى الجار الطيب الجار الجميل الجار الرائع)..

فقلت له : كان مقالي محدّداً في عنوانه بأنه غالبا الناس هم الجحيم سواء كانوا جيرانا أو أفرادا في المجتمع..

انظر إلى الناس يا صديقي في كل مكان في كل مؤسسة

أليسوا هم من يعذبون بعضهم بعضا..

أليس الآخرين هم بعض المسؤولين السيئين المتغطرسين ؟؟.

أليس الآخرين هم بعض أصحاب الشركات الكبيرة والقلوب القاسية الظالمة؟؟..

أليس الآخرين هم من يكتب الشقاء والمعناة على الفقراء والضعفاء والمساكين؟!!..

أليس الآخرين هم من أوصلنا إلى هذا الواقع  الجحيمي الذي يعيشه الكثيرين؟؟..

*****

ومع أنني ضربت نموذجين خفيفين جدا من باب التلاعب التصويري ولم أتطرق إلى النماذج والصور الإجرامية الحقيقية من جانب “الآخرين” والذين يمارسون جرائمهم  في حق إخوانهم الآخرين حتى لا أفقد الثقة في العالم ولا أتقلد اليأس من خيرة الناس أو أن أغسل يدي الاثنتين “بسائل فيري المركز” لأطهرها من طيبة البشر  وجمالهم ..

فالخير موجود وبكثرة..

والطيبون يتبعثرون في الأرض..

لذلك وعدت صديقي الحساس المرهف صاحب الملاحظة الجميلة بكتابة الشق الثاني من القضية وهي (الأخرون هم النعيم).

وهنا سأتحدث باقتضاب شديد وأيضا باستخدام تقنية “اللقطة السريعة” عن الآخرين الرائعين..

فالحياة دون رفقة طيبة لا طعم لها وكما يقولون حتى الجنة بكل جمالها وروعتها ونعيمها بدون ناس ما تنداس..

وكما يقول المصريون حكماء الدنيا :  الناس لبعضيها.

وكما قال الشاعر العربي :

(الناس للناس من بدو وحاضرة .. بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم).

روعة الجيران وحسن عشرتهم وضرورة وجودهم في الحياة لأجل الآخرين.

فقد تحدثت ذات مقال عن أحد المسرحين من العمل .. والذي باع سيارته وباع خنجره وباع ساعته ليعيش ويطعم أطفاله وحين نفذ كل ما يملكه!!

جاء دور الجيران ليتكفلوا بجارهم المنحوس المتعوس المقهور فآزروه ونصروه.

يقول الرجل المسكين : كانوا خمسة من الجيران الطيبين كل جار كان يقوم بإعداد وجبة لي ولأسرتي .. الإفطار يصلني من الجار الأول والغداء من الجار الثاني والعشاء من الجار الثالث وهكذا دواليك طوال سبعة أشهر بطولها وعرضها لم يتوقف الطعام عن التواجد في بيتي ولم يمتنع الخير من الهطول على داري.

ليس هذا فحسب .. يقول :

وفي كل شهر كانوا يجمعون لي مبلغا من المال ويودعونه في حسابي مباشرة.

حتى تمكنت من الصمود والبقاء على قيد الحياة أنا وزوجتي وأطفالي الخمسة.

هذه الصورة البديعة المزهرة .. هذه القصيدة الإنسانية الرقيقة هي فصل من فصول كتاب “الآخرون هم النعيم”.

*****

موقف آخر ولقطة بديعة لا تقل جمالا ولا تنخفض روعة عن سابقتها:

يقول أحدهم :

 بأن طفلته ذات التسعة أعوام كانت تعاني من إحدى أمراض الدم الشديدة .. وكادت تفقد حياتها بسبب خطأ كبير وجرعة علاج خاطئة من طبيب أحمق وما أكثرهم بيننا ومعنا .. أسأل الله ألا يتورط أحد الضعفاء والفقراء معهم.

يقول الرجل :

سقطت ابنتي إثر تلك الجرعة الزائدة في حالة إغماء وفقدان الوعي.

يقول : لقد ماتت سريريا بعد ما جربوا عليها كل جهلهم وطعموها بغبائهم وورشوها بحماقاتهم  وحين اقتنع الطاقم الطبي بأنهم  فاشلون عاجزون عن فعل أي شيء لإنقاذها   قالوا لي : (خذ طفلتك من هنا فلا علاج لها عندنا !!)..

فقررت أحمل أبنتي (جثة هامدة) إلى الهند بلد شياطين الطب وعفاريت الصيدلية..

وحين وصلت إلى الهند وشاهد الطبيب الهندي المختص حالة الطفلة  مسك رأسه بكلتا يديه وقال : يا إلهي ماذا فعلوا بهذه الطفلة المسكينة ؟؟!!.

وخلال ستة أشهر من عبقرية الطب وفنون التداوي وبفضل الخالق عز وجل دبت الحياة في جسد ابنتي من جديد وبدأت تفتح عينيها وترى النور وبدأت تتعرف علينا واشتعلت الضحكة في فمها ودغدغت البهجة صدورنا ونزلت ابنتي من الطائرة بقدميها بعد أن كنا قد حملنها في نقالة شبه ميتة وموصولة بجهاز تنفس.

عادت ابنتي حية بعد أن كنت شبه متيقن بأنها ميتة لدرجة أنني حجزت لها  تابوتا خشبيا بعد وصولي إلى الهند بشهرين.

يقول الرجل :

خمسة أشهر وأطفاله الثلاثة الآخرين بعهدة جارهم اللصيق.

يعاملونهم كما يعاملون أطفالهم.

يعطونهم نفس مصروف أطفالهم ويلبسونهم نفس الملابس مع أطفالهم الأربعة كأنهم سبعة من التوائم ويسقونهم نفس كمية الرحمة وذات جرعات الحب التي يسقونها لأطفالهم.

لدرجة أننا حين عدنا من رحلة علاجنا بكى أطفالي حزنا على فراقهم لبيت جيرانهم وانتقالهم إلى بيتنا.

هذا النوع الماسي .. هذا الصنف الزمردي من الجيران موجود لكنه نادر.

ومن يعثر عليه فقد عثر على كنز من كنوز الدنيا.

الجار الذي يحفظ بيتك في غيابك ويرعى أولادك ولا يطلق شرر عينيه على زوجتك ويكسر أشعة بصره عن بناتك ويتعامل مع عرضك كأنه عرضه تماما…

هذا الصنف من الجيران هم في الحقيقة ملائكة متقمصين هيئة بشرية.

ملائكة يمشون معنا ويكلموننا ونكلمهم ويضاحكوننا ونضاحكهم…

وكما أسلفت هذا الصنف الفريد الطاهر النظيف موجود ولكنه بدأ ينقرض ويتلاشى ويختفي كما انقرضت كثير من  الطيور  النادرة  جدا

وكما اختفت الكثير من الأزهار والورود اليانعة.

*****

وأختم مقالي بقصة مأثورة عن قيمة الجار الطيب ؛ حيث رغب أحدهم في بيع بيته، فكان قيمة البيت لا تتجاوز 1000 دينار.

ولكن صاحبه عرضه بـ 10 آلاف دينار.

فاستغرب الناس من هذا السعر الباهض فسألوه : لماذا كل هذا السعر وبيتك لا يساوي أكثر من 1000 دينار.

فقال لهم : سعر بيتي لا يتجاوز 1000 دينار نعم لكن سعر “جاري” الرائع 9000 دينار بل وأكثر !!.

سأترك للساكن الجديد جارا ثمينا لا يقدر بثمن ولا يقارن بمال أو ذهب..

دمـتـم فـي خـيـر..

تعليق واحد

  1. الجيران الطيبون موجودون فالخير في أمة الإسلام موجود إلى يوم القيامة وما أكثرهم في عمان أذكر زميلا عمانيا لي من ينقل بمحافظة الظاهرة هو زميل في المؤسسة التعليمية وجار لنا أذكر أنه إن زوجته عندما أصبت بوعكة صحية كانت جراحة ناصور ولم يتركني أنهى حصصه ثم جاءني نقلني إلى عبري ولم يتركني حتى إن زوجته اتصلت به فقال لها أنا في عبري أنقل أخي المصري لأنه تأخر عن البيت بسببي فالخير موجود والحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى