أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الآسْيويّون في دول الخليج .. هَل اندمجوا بالمُجتمعات أم دمَجوها بهم؟؟!!..

الكاتب/ حمد بن خميـس الناصري

 

الآسْيويّون في دول الخليج .. هَل اندمجوا بالمُجتمعات أم دمَجوها بهم؟؟!!..

 

كانَ البَحارة والنواخذة والتُجار العُمانيون أوّل مَن أسّس تِجارة نَشِيطة مِن دُول الخليج والشَرق الأوسط معَ شِبه القارّة الهندية وهُم أوّل مَن أتَى بالبَضائع الهندية مِن توابِل وبخور وغيرَها إلى هذا الجُزء مِن البلاد العربية، فالعُمانيون ومُنذ فجر التاريخ بَحارة مُتمرّسون شُجعان صَالوا وجالوا وشَقُوا عُباب البحار والمحيطات بسفنهم التي صَنعوها بأيْديهم إلى شَتى أصْقاع الأرض. وبسبب الطبيعة الودودة والأخْلاق الدّمِثَة لِلعُمانيين فقد غزو قُلوب كُلّ البُلدان التي وصَلوها وأحبّهم أهْلَها وتآلفوا معهم . وبطبيعة الحال فقد كانَ لِشِبْه القارة الهندية نَصِيب الأسَد في التبادُل التجاري معَ عمُان عَن طريق البحار التي تُطِل عليها تلكَ الامبراطورية العريقة بسبب التَنوّع السِلَعي والاقتصادي لتلك المنطقة الشاسعة وحاجة المنطقة العربية لتلك السَلَع .

وبإطْلالة واسعة للسلطنة على المُحيط الهندي فرضَت مُسْتوى عالي مِن العلاقات الاقتصادية والتبادُل التجاري ، ناهيكَ عَن بُنية أعْماق البحار أو ما يُعْرَف بالجَرْف القاري .. او اسْتمرار المُنْحَدرات العَمِيقة في السُهول البَحرية السَحِيقة وبَحر عُمان الكبير ولا شَك أنّ سَهْله يَصِل إلى أعْماق سحيقة ، وهو ما يُعْرَف بالسَهل الطوبوغرافي أو بداية قاع البحر وهي المنطقة الأصْلية للمُحيطات ، وتلكَ المنطقة هيَ التي تَربُطها بالمحيط ، بحيث أنّها الحدود الفاصِلَة بينَ البحر العَمِيق والمُحيط الأعْمَق . وغالباً ما يُعَرّفها المُتخصصين في شؤون البحار بأنّها الحدود بينَ المُنحدر القاري والسَهل في الأعْماق السَحيقة ، بحيث أنّها تكون مُتَدرّجة ويُطلَق عليها بالارْتفاع القاري، وذلك الارتفاع ناجِمٌ عَن رواسِب مُتتالية اسْفل المُنحدر.

وكانَ مِن الطبيعي وجود جالية آسيوية في مُدن عُمان التجارية الرئيسة آنذاك مطرح ومسقط وصُور وقد أثْمَر ذلك التقارب الاقتصادي إلى تمكين دُوَل تلك المنطقة مِن اتخاذ خُطوات لتوسيع وتَنْشِيط التبادل التجاري مَع مَواني عُمان والخليج العربي ، وتُشِير بعض المصادر التاريخية إلى أنّ الجالية الآسيوية تتواجَد على أرض السلطنة مُنذ القرن الخامس عشر الميلادي وتحديداً في قَلْهات ، حيث ازْدَهرت مَدينة قلهات تجارياً في تلك الفترة ، وقد اسْتفاد التُجار الآسيويون مِن مَوقع عُمان في الرُكْن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية وتَحَكُّمها في مَدخل الخليج العربي، بحيث أنّ مَوقع عُمان يَقع مُباشرة في مُواجهة شِبْه القارة الهندية … وكما اسْلفنا أنّ اطْلالة السَلطنة على كُلّ البحار المُهِمّة في المنطقة ومِنْها المُحِيط الهندي ، فقد أفاد العُمانيين أيضاً وأصْبَح المحيط الهندي بُحيرة تَتشاطأ عَلَيْها عُمان مِن جِهَة وبَقيّة دُول شَرق آسيا وشِبه القارّة الهندية مِن جِهَة أُخْرى ، مِمّا أدّى إلى نُشُوء ارْتباط اقتصادي وتجاري امْتَدّ لِقُرون.. وبِنُبذة إحصائية نَجِد أنّ بَحر عُمان الكبير يَمْتَد إلى اكثر مِن 1800كم وهيَ مِسَاحة شاسِعَة جَعَلت مِن الموانئ والشواطئ العُمانية مِحْوراً تجارياً ومَلاذاً لجميع السُفن الآتية مِن اوروبا وآسيا إلى دُول الخليج .. كذلك فإنّ تداخُل بَحر عُمان مَع بَحر العَرب جَعل السلطنة بوابة العَرب البَحرية إلى العالم.

كُلّ تلكَ العَوامِل وغيرها جَعَلت عمُان مَحط أنْظار التُجار والدُول وعلى رأسِهم الآسيويون بطبيعة الحال اللذين بَدأت أعْدادهم بالتزايُد خُصوصاً في عَهْد الدولة البوسعيدية ، عِلْماً أنّ بداية  توافدهم التاريخي للسلطنة كانَ في عَهْد اليَعاربة ، وخاصة عَهْد الإمام سُلطان بن سَيف اليُعربي ، وقِصّة مُساعدة التاجِر الهندي، الذي أعانَ الإمام حين غزا البُرتغاليين عُمان ، فحاصَرهم الإمام في مَسْقط عام 1649م وانْتَصر عليهم ، بِمُساعِدَة التاجر الهندي (بروتم او برشوتم) مالياً ، وقد نَتَج عَن ذلكَ تَحالُفاً دامَ إلى يَومنا هذا وفي أوَجّ فَرْحَة الإنْتصار على البُرتغاليين أظْهَر الإمام سُلطان بن سيف سَخاءً غير مَجْذوذ لِلْحُلفاء الجُدد ، فأعْطى التُجار الهُنود مَجْمُوعة مِن الامتيازات واعْفاهُم مِن دفع الجزية وسَمح لهم بِبَناء مَعْبَد خاص بهم في مسقط.

ويَنقسم الآسيويون الذين توافدوا إلى عُمان إلى قِسْمَين ، طائفة مُسْلِمة وطائفة غير مُسْلِمة.. فالمُسْلمون يَنْحَدِرون مِن مَناطق مُسْلِمة ، وأكثرهم مِن حَيْدَر آبادْ وهُم تُجار مِن (السِنْد) واسْتقروا في عُمان وأقامُوا مَناطِق خاصة بهم ، وعَمِل بَعضهم كوسُطاء تجاريون بَين السَاحِل وداخِل عُمان ، والجُزء الآخَر غير مُسْلِمين كـ البَانْيانْ وقد توافَدوا مِن مَناطق مُختلفة مِن شِبْه القارّة الهندية التي تَشْمَل اليَوم ثلاث دُوُل.. ويقول المؤرخ اسْماعيل الزدجالي في كتابه (تجارة عُمان الخارجية) : إنهُ في عَهْد السَيد سَعيد بن سُلطان ازْدَهر نشاط التُجار الهُنود وخاصة حِيْنَما كان السَيد سَعيد يتنقل بَين مسقط وزنجبار مِمّا أدّى إلى رَواج تجارة الهنود في سِلَع مِثْل البُهارات، والبُخور وغيرها ، وجَنوا مِن ورائِها أرْباحاً طائلة وقد اسْتفادوا مِن الفراغ التجاري الذي حدَث في مَسْقط نتيجة انْتِقال السَيد سَعيد بن سُلطان إلى زنجبار ، فتوافدوا على مسقط بأعداد كبيرة حيث وصَل عددهم 2000 نسمة في عام 1840م .

واللّافِت لِلنّظَر بَل والمُسْتَغرب أنّ أولئك المُسْتوطنون الجُدد نَقلوا عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وحتى لُغَتُهم إلى البَلد التي اسْتوطنوها ولَيس العَكْس كما يُفْتَرض وعادةً ما يَذوب المُهاجرون في البَلد الجديد ويَتَبَنُون لُغَته وتَقاليده مع الاحْتفاظ بِبَعض مَوروثاتهم وعاداتهم وأنْ يَكون الوَطن الجديد هو المُهَيْمِن في عاداته وتقاليده ولُغَتِه وقِيَمِه الأصِيْلة المُتوارثة ولكنّ المُسْتَغرب وكما أشَرْنا أنّ أولئك المُهاجرون لم يَنْدَمِجوا في المجتمع العُماني ولم يَتَعَلّمُوا اللُغة العربية وبَقُوا ضِمْن تَكتّلات صَغِيرة خاصّة بهم يُمارسُون عاداتهم وتقاليدهم وطُقوس دِيْنهم كأنّهم لا زالوا يَعِيشُون في بلادهم السَابِقَة.!! وكما ذكَرت في مَقال سابق أنّ التَجْنِيس أحْياناً لا يَضْمَن الولاء ، المَنْشُور في 21 يوليو 2021 فإنّ هذه الظاهِرَة تَدُق ناقوس الخطَر .. فأيّ توطِيْن لا يَحْمِل في طيّاته ضَمان الولاء والمُواطَنة الخالصة ، كتَعلّم لُغة البَلد مِن خلال انْدِماجه بالمجتمع ، ولا يَحْتَكِم لِلْقِيَم المُتوارثة ولا لِلتّسامُح المُجْتمعي .. فبرأي أنّ تلكَ المُواطنة لا خَيْرَ فيها وضَررها أكْثَر مِن نَفْعِها والتاريخ يُنْبِئُونا بِخُطورة وجُود مَن يَحمل ولاءات مُختلفة وخصوصاً وَقْت الأزَمات أو تَضارب المصالح.. فمنْ يَضْمَن أنّ اولئك المُجَنسِين سَوف يَقِفون مَع الوطن الجديد في كُلّ الظُروف، خاصة إذا كانَت تلكَ المصالح تَتضارَب مَع بَلدهم الأصْلي، فَحَتْماً سَيكون مَوقفهم إلى جانِبَ نَشْأتهم وجُذورهم ولَنْ يَرضوا بأيّة حال أنْ يُوقِع أحَدهم ضَرراً بِبَلاده الأصْلية..! وبالتالي هَل نَتوقّع أنهُ مَن فَضّلَ لُغَته الأصْلية عَن لُغة البَلد الجديد، أنْ يكون ذي وطنيّة خالِصَة في الوَقْت العَصِيب..! وهُو لَمْ يُكَلّف نفسه تَعَلُّم لُغَة البَلد الجديد ولَمْ يَدْخُل ابْنائِه مَدارسنا بَلْ هُم أنْشَئوا لأنْفُسِهم مَدارس خاصة بهم وانْفَصَلوا كُلّياً عَن المُجْتمع العُماني أنْ تكون لديه وطنية حقيقية.!؟  أو أنْ يكون ولائهم المُطْلَق لِعُمان عِنْد الشدائِد وتقاطُع المصالح بينَ البلدين ؟!.

إنّ مَنْح الجنسية العُمانية برأيي ليس مُكافأة أو امْتِيازاً لكلّ مَنْ يأتِي مِنَ الشَرق والغرب؛ بَلْ هو اسْتحقاق وطني وتأريخي له جُذوره وامْتداداته التاريخية البَعيدة الضاربة في أعْماق أرض عُمان المِعْطاء .. وعَلَيْنا أنْ نَتَمَسّك بكُل ما يحفظ جذورنا وأصالتنا لتبقى عُمان زاخرة بالعَطاء ومَرفأنا ومَلاذنا ومَلاذ أجْيالنا القادمة .. وأنْ لا نُفَرّط في شيء مِنْها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى