أصداء وآراء

الأمن الغذائي العربي والطموحات الخجولة ( 2 )..

 

الدكتور المهندس/ محمد المعموري

mohmus94@yahoo.com

 

 

الأمن الغذائي العربي والطموحات الخجولة ( 2 )..

 

بين الطموح والتطبيق تحددها خطوات المثابرة وبين الحلم والحقيقة تحددهما الواقعية ، فكيف لنا ان نطمح بواقع اقتصادي عربي متكامل وماهي اركانه ، وكيف يمكننا ان نجسد حقيقة ذاك الطموح ليتسنى لنا  الوصول الى عالم الاكتفاء الذاتي اقتصاديا ، ونغادر الاحلام التي زرعت في مخيلتنا لتلهينا عن المثابر ، فالواقع تكسرت عنده كل الاحلام المرسومة في مخيلة المواطن العربي.

قبل مئة عام كان المواطن العربي يتحرك من الشمال الى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون أية إعاقة وفي النصف الأخير من القرن العشرين أصبح المواطن العربي يتحدد (بقُطْرِيَّتِه) دون أن يشعر حتى أصبح عليه من العسر السفر بين أقطار الوطن العربي ، وكنا نسمع الى امد قريب اننا امة عربيه بأحلام تكسرت عندها كل الطموحات وانهارت معها كل التوقعات فاصبحنا وامسينا فلم تتحقق تلك الاحلام.

وبما اننا اتفقنا على نهاية الاحلام علينا ان نطمح ونثابر لنصل الى الاهداف الاقتصادية التي نطمح اليها وهذا لا يتحقق الا بالتكامل الاقتصادي العربي ، ربما سترفض هذه الفكرة وربما ينتقدها البعض او يراها حلم لا يتحقق ولكني هنا اجزم ومن خلال الرؤيا التي اراها والتي ارتكزت على المفاهيم الاقتصادية العربية والخطوات التي اتخذتها الاقطار الغربية في هذا المضمار ، أقول بعد خمسين عاما.

(بإذن الله) سينبثق اتحاد عربي اقتصادي متكامل يجمع بين الاقطار العربية ، ولكن سيكون متأخر لخطوات متعثر ، ومتراجع   بسبب الامكانيات المادية التي لم تتوفر في اقطار عربية كثيرة في ذلك الوقت وسنكون قد قدنا  قفزات  اقتصادية كبيرة كانت ستتحقق لو ينتبه اليها الان (أولي العقول الاقتصادية وصاحبي القرار) في بلداننا العربية ، “نعم فقدنا الكثير ولكن لدينا الوقت لا نجاز الكثير  قبل فوات الأوان”.

كيف سينبثـق الاتحاد العربي الاقتصادي …؟

كلنا نعلم ان الدول الرأسمالية المتحكمة في الاقتصاد العربي الآن تسعى بكل ثقلها لإجهاض أي تكتل اقتصادي عربي ، وبالتالي فإنها ستبقى تسعى في زيادة  صادراتها إلى الوطن العربي ، وفي نفس الوقت الوطن العربي سيحتاج إلى استيراد الحبوب (بصوره خاصة) بشكل متزايد ومستمر مما سيؤدي بنهاية الامر الى انهاك الميزانية العربية وخاصة وسط مخاوف من استبدال الطاقة (استبدال النفط بالطاقة المستدامة) ونفاذ ابار النفط في بعض البلدان العربية المصدرة لهذه المادة وكذلك وسط المضاربات الاقتصادية في السعي لجعل كلفة استخراج النفط اقل بقليل  من كلفة بيعه ، أو بواسطة اغراق السوق  النفطية  العالمية بهذه المادة وكما حدث في عام (2019 – 2020) أو افتعال أزمات (بيولوجيا) أكبر من (كورونا) ، ناهيك عن مشكلة التصحر في الوطن العربي والتهديدات بضرب الاقتصاد العربي بقطع مصادر المياه عن بعض أقطاره  (مصر ، السودان ، العراق)(1) ، وعليه فإن العرب سيضطرون إلى التكامل الاقتصادي بعد فوات الاوان.

نحن الآن نضع تلك السطور أمام أعين جعلها الله مسؤولة (المسؤولين عن الاقتصاد) عن شعوب وضعت أمانة في رقابهم لكي يجدوا لنا النظرية الاقتصادية التي تجعلنا نخرج من هذا المأزق ولا نصل إلى حالة الجوع وضياع أبناء شعوبنا ، والفرصة سانحة الآن .. لأن نبدأ ..

ولنرجع إلى الواقع ونغادر الطموح فإننا الآن في أزمة كبيرة تهدد الأمن الغذائي العربي وهذه الأزمة تتمثل فيما يلي :

1- أزمة المياه : كلنا يعرف ان الوطن العربي يمكن ان يرتكز بشكل كبير على الانهر التي تخترق اراضي بعض اقطاره وهي من اهم بلدانها الزراعية (نهر النيل ، نهر دجلة ، نهر الفرات) ، حيث تشكل هذه الأنهار 80% من المسطحات المائية في الوطن العربي وتعتبر  الرافد المعول عليه في النهوض بالواقع الزراعي العربي ومنه بالنهوض في تعديل مسار الأمن الغذائي العربي ، ولتلك الأنهار أراضٍ زراعية تمتد بمحاذاتها تتمتع بالخصوبة وبمساحات شاسعه ويمكن أن تتنوع المحاصيل الزراعية فيها وخاصة القمح.

في السنوات الأخيرة أصبح الأمن الغذائي مهدداً بسبب التصرفات غير القانونية للدول (منبع تلك المياه) وعمدت تلك الدول إلى بناء السدود لتقنين تدفق المياه إلى الأراضي العربية.

2- شُحُّ الامطار : يلاحظ في العِقْدَيْن الأخيرين شُحُّ الامطار وتغيير المناخ ، مما أدى إلى اتساع ظاهرة التصحر خاصة في البلدان التي تعتمد في زراعتها على الأمطار مما سبب في تراجع المحصول في تلك البلدان .

3- القرار السياسي للبلدان العربية لا زال قراراً (قُطْرِياً) ولم يتجه إلى قرار التكتلات الاقتصادية التي تسمح باستثمار الأراضي الزراعية العربية بين الأقطار العربية بعضها من بعض.

4- هجرة الفلّاح ، والسماح بتغيير جنس الأراضي من الزراعي إلى السكني ،  وعدم السعي لتطوير واقع حال الفلّاح في التجمعات الريفية.

إن ما نطمح إليه ليتحقق الواقع العربي في إيجاد التكتل الاقتصادي الذي يدعم الأمن الغذائي العربي ، هو أن تسعى البلدان العربية المنتجة للبترول في رفد الدول الزراعية والاستثمار الزراعي في أراضيها ، وتشجيع الفلاحين وذوي الخبرة من امتلاك المعدات الزراعية الحديثة ، وتشجيع فرق البحث والتنقيب في الأراضي العربية لإيجاد السبل الكفيلة باستمرار الزراعة ، وإيجاد البدائل ، وعدم التوقف عند حد معيّن ، والنظر بنظرة شمولية لا نظرة قُطْرِيَّة لجميع الأمور التي تخص الاقتصاد العربي ، وتهيأت  السبل الكفيلة في رفده ، ثم مساندته للوصول إلى حالة الاكتفاء الذاتي بين البلدان العربية فنحن على يقين أن الله سبحانه وتعالى جعل الأمة العربية مكملة لبعضها البعض ، وما علينا الا ان نسعى  في جمع ما قدّره الله لنا من تكافل ونضعه في خارطة طريق نرسمها لأجيالنا القادمة ، والله قادر على أن يسدد خطانا..

(وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ).

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى