أصداء وآراء

الأيـادي البـيـضـاء..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

الأيـادي البـيـضـاء..

 

كما قلت لكم ذات مقال أن الله يرزق كل وطن نصيبه من الكرماء الأسخياء وأصحاب الأيادي البيضاء .. وأيضا يبتليه بالبخلاء التعساء واللصوص وأصحاب الأصابع القبيحة السوداء..

غالبا الصنف الرديء ذو الأصابع القبيحة السوداء هو الغالب في معظم المجتمعات العربية والإسلامية ، لأنها مجتمعات لا تتعامل مع خالقها باحترام وتبجيل حقيقي (ما قدروا الله حق قدره) ، لذلك يتناسل ويتكاثر فيها ذلك الصنف الرديء بسرعة وبكثرة ..

لكن عموما  في كل مجتمع  هناك صنف مميز .. صنف أبيض .. صنف مرتفع .. صنف سامق .. صنف متألق..

فإذا أحب الله مجتمعا ما زاد فيه من نسبة أصحاب القلوب البيضاء والأيادي اللينة الرقيقة الرهفاء..

وإذا سخط الله على مجتمع ما وغضب عليه زاده من نسبة التماسيح والقوارض من أصحاب الأسنان الصفر والأصابع السوداء.

لذلك الصنف الطاهر الأبيض يكون نادرا جدا .. لكنه موجود لسببين :

أولا : حتى لا نفقد الأمل في انطفاء النور ، وموت الخير نهائيا..

وثانيا : لأجل إحداث التوازن الطبيعي بين القبح والجمال والخير والشر في هذا الكوكب..

حتى في عالم الحيوان هناك أصناف مميزة من الحيوانات ..

هناك حيوانات رفيعة وحيوانات دنيئة..

عالم النبات والزهور .. فيها أصناف مميزة من الأشجار .. والأزهار .. والورود..

كذلك عالم البشر .. أيضا يزخر بأصناف نادرة .. فريدة من البشر..

أصناف متميزة .. غير عادية .. رائعة مفعمة بالروعة .. فواحة بالعطر والأريج .. مشحونة بالنبل والكرم والسخاء والرفيع..

لا أتذكر تحديدا متى قرأت هذا الخبر .. فلم تعد ذاكرتي بتلك القوة التي كانت عليه قبل سنوات .. لقد امتلأت الذاكرة بالتراب .. والحصى .. والقذى..

لقد اندثرت ذاكرتي بسبب المهازل التي نسمعها ، والتفاهات التي نعايشها ، والقصص التي نتغصص بها..

الذاكرة كالطير .. حين تعيش في أجواء متسخة مدخنة ملوثة تتلوث ألوانها .. وتتسخ أجسادها وتموت أعضاءها..

الذاكرة جزء من الجسد تضيء بالشكر وترتقي بالعرفان .. كما أنها تندثر بالإهمال .. وتنطفئ بالعبث والفوضى والنسيان..

الذاكرة تحتاج إلى عالم جميل .. باذخ بالنور .. معبأ بالضحكات .. مزروع بالزهر .. مكسو بالوردات..

الذاكرة تموت بالأوجاع .. وتتضعضع بالكسور .. وتندثر بالأسقام..

لقد قرأت هذا الخبر منذ سنوات في إحدى مدن السعودية إذا لم تخني الذاكرة خيانة عظيمة..

يقول الخبر :

دخل يوما ما رجل مهيب .. بهي الطلعة .. مضيئ الجبهة..

دخل محكمة المدينة الكبيرة .. المكتظة بالبشر ..  المكدسة بالقيود .. والسلاسل .. والملفات .. والقضايا..

دخل على قاضي الأحكام والتنفيذ..

قرع الباب برفق .. فسمح له القاضي بالدخول..

فجلس الرجل .. وطلب من القاضي كشفا بأسماء كل المتهمين المطلوبين بمبالغ مالية (تحت ٥٠ ألف ريال سعودي وما دونها) المحكوم عليهم .. وأولئك الذين في قفص الإتهام وينتظرون الأحكام!!..

فدهش القاضي من طلب الرجل وسأله : لماذا ؟!!..

فقال الرجل : أريد أن أسدد عن هؤلاء الناس دينهم ..

أريد أن أفك عسرتهم..

أتمنى أن أفرج همهم..

أتمنى أن أمنحهم فرصة للبدء من جديد..

أريد أن يعلموا بأن الدنيا مازالت بخير..

أحب أن أزرع بهجة في صدورهم ، وأغرس ضحكة في أفواه أطفالهم..

أريد أن أؤكد لهم بأن القلوب مازالت تنبض بالرحمة .. وأن الأفئدة مازالت تستنشق الحب والرأفة..

فذهل القاضي من طلب الرجل .. فهو لم يصادف موقفاً مماثلاً منذ توظيفه .. ولم يستمع لهذا النوع من الموسيقى السماوية منذ تاريخ ميلاده  ..

أي رجل هذا .. يطلب كشفاً كاملاً لكل المحكومين و المطلوبين بمبالغ مالية تبدأ من 50 ألفا وما دون!!..

وكم سيكون العدد .. وكيف سيكون شكل المبلغ وحجمه!!..

يا إلهي .. ماذا اسمع!!..

طلب قاضي التنفيذ منسقه الأول .. وأمره بطباعة كشف بأسماء كل المطلوبين بمبالغ مالية من 50 ألفاً وما دون .. المسجونين منهم .. والذين في قائمة الأحكام..

كان العدد يتجاوز مائتي شخص..

وكان إجمالي المبلغ يتجاوز الأربعة مليون ريال سعودي..

أخرج الرجل دفتر شيكاته بكل ثقة واطمئنان .. وخط المبلغ بكل هدوء وجمال .. وهو في راحة تامة .. وسكينة عجيبة..

أصابع يديه لم تكن تنتفض هلعاً .. بل كانت تلمع بياضا كأنها أصابع ملائكة..

وبسمته تتلألأ في شفتيه ككوكب دري جميل ونادر..

قطع الشيك من دفتره .. وسلمه للقاضي .. ونهض بكل هيبة .. وشموخ .. وجمال .. وجلال..

وقبل أن يتحرك ..

وفي لحظة ذهول قاضي التنفيذ بمنظر الشيك الذي كان يرتعش في يده .. قال الرجل للقاضي :

لي رجاء وحيد .. أرجوك لا تذكر أسمي أبدا لأي كان .. قل “فاعل خير” فقط .. واختفى في لمح البصر .. كشهاب عَبَرَ صفحة السماء في غفلة من العيون!!..

كم عدد الناس الذين قست عليهم الحياة .. فسقطوا في قبور الديون ووقعوا في طائلة الاحتياج وشباك القروض المظلمة..

كم من الناس خلف القضبان بسبب شيكات غير مسددة .. وقروض بسيطة متعثرة..

وبالمقابل كم عدد أصحاب الملايين لدينا .. وكم حجم ثرواتهم وكم وزن خزائنهم!!..

ألا يستحق هؤلاء البشر المساكين التُّعساء رجلاً كذلك الرجل يحمل أصابع من السماء .. وقلباً من الفضاء.. وروحاً من النور والضياء ؟؟..

يقضي دينهم .. ويفرج كربتهم .. ويجمع بينهم وبين أطفالهم .. ويزرع سعادةً في صدورهم ويوقف دموع أمهاتهم..

ألا يستحق هؤلاء الفقراء التعساء أيادٍ بيضاء تضيء حياتهم  .. وتمنحهم أملاً .. ورغبة .. وسعادة..

أيها المليونيرات أطلقوا سراح أموالكم من سجونها واكسروا أقفال خزائنكم فالبلد امتلأت بالفقراء والغارمين والسجناء والمُعسرين والمسرّحين..

أنثروا أموالكم في هذه الأرض لتنبت خيراً وحُبّاً ونوراً وضياءً في هذا الوطن الذي لولاه بعد فضلك الله عليكم ما كنتم لتصبحوا على ما أنتم عليه..

اللهم أيقظ قلوب أغنيائنا .. وأشعل الشفقة والرحمة في أرواح أثريائنا ومليونيراتنا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى