أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الإسلام دين كل الرُّسل والأنبياء..

كاتـب ومفـكـر كـويــتـي

 

الإسلام دين كل الرُّسل والأنبياء..

 

علم البديع فن من فنون البلاغة العربيّة ورد في القرآن الكريم كثيراً، في سوره وآياته، وخاصةً السور القصار من جزء عمّ وجزء تبارك. ولكن فنون البلاغة ليست شيئاً غريباً عن لغتة العرب، فالعرب أصحاب بيان، وفصاحة فاقت طوق الشعوب التي تماثلهم آنذاك، فلا غرو أنهم يعرفون هذا الفن.

بالتالي، إن أهمية علم البديع في القرآن الكريم، وكيفية تناول فنونه، وتحليلها تحليلاً منهجيّاً للكشف عن دلالاتها البلاغية، ومعانيها البيانيّة، حيث أن الدلالات البلاغية في القرآن الكريم كثيرة جداً، ولا يمكن فهم هذه الدلالات إلا بإتقان فنون البلاغة العربية وخاصة فن البديع، وأن هذه الدلالات البديعية هي التي تكشف مفهوم الخطاب القرآني، وأن تحليل الدلالات يفيد أؤلئك الذين تخصصوا في البلاغة القرآنيّة، وتفسير القرآن الكريم؛ فهي تساعد طالب العلم والتخصص على فهم أساليب القرآن الكريم المختلفة.

فجمال هذا الفن يكمن بكثرة وروده في القرآن الكريم، وأنزل بلسان عربي مبين، كما أنه كان موجوداً في أشعار العرب، فالخطاب البلاغي تغلف بأفكار وجماليات علم البديع، قال تبارك وتعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون)، فنجد الجناس والسجع والفاصلة ومراعاة النظير على سبيل المثال لا الحصر، فالأخيرة تعني الائتلاف والتلفيق والتناسب والتوفيق والمؤاخاة، وأشار إليها فخر الدين الرازي ووضعها في أقسام النظم، وعرّفها بقوله: (مراعاة النظير، وهو عبارة عن جمع الأمور المتناسبة)، وقد أدخله السكاكي والقزويني وشرّاح التلخيص ضمن المحسنات المعنوية، قال تبارك وتعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)، فعلم البديع نجده في الديانات السماوية التي هبطت في الجزيرة العربية لذا استقبلها العرب بارتياح وطمأنينة حيث اخترقت حاجز الوجدان لديهم فتعاملوا معها كما يتعاملون مع شيء مألوف لديهم.

لكن التعامل معها في القرآن الكريم، أمر مختلف، وذلك لاختلاف نوعية الخطاب الأسلوبي والمعرفي لكتاب الله العزيز، حيث أن طريقة التوظيف تختلف، وهذا ما يميز القرآن الكريم عن باقي الديانات السماوية.

من هذا المدخل وهذه المقدمة التي شرحت لنا بإيجاز جمالية بعض فنون علم البديع، فيما يتعلق بالقرآن الكريم والخطاب البلاغي والقرآني المحكم ربانيّاً، نستكمل معاً، تفسير سورة طه.

الناس يعبدون الله في أيامنا هذه، وتتفاوت درجات العبادة من مجتمع لآخر، ومن شخص لآخر، الجامع بينهما، أن هناك في هذه العبادة تجد اليوم القصور الواضح، ففي الفترة الأولى للإسلام نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يخاطب عبدة الأوثان، ويسفّه أحلامهم وعبادتهم تلك، على اعتبار أنهم كانوا يعبدون أحجاراً صمّاء، لا تضر ولا تنفع، أما المسلم الإنسان الذي آمن بالله وحده، وكفر بما سواه، فهذا يحتاج إلى تعليم، والتعليم لا يأتي بالعنف، ولذلك يجب أن نتعلم نحن الكبار قبل الصغار، اللطف والهدوء واللين، والمعالجة الهينة اللينة حتى نستطيع فتح أبواب العقول عند الجميع، قال تعالى: (فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى) وهنا كأن الله عز وجل يطمعهما في احتمال أن يهتدي فرعون، والله تبارك وتعالى، علم بأن فرعون لن يهتدي، ولكن هذا تعليم للنبييّن (موسى وهارون) عليهما السلام، اللذين يحملان رسالة إلى أعظم الطغاة، وأكبر ملوك الدنيا في ذلك الزمان، ومع ذلك فإنه يعلمهما نوعاً من السياسة في الدعوة ومن التلطف فيها، حتى يصلان إلى ما يريدان، ولسوف يصلان كما قدّر الله تبارك وتعالى، بالتالي، هذا درس لنا جميعاً، لنتعلم ما معنى (فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى).

وذكر النبيّان في هذه المناجاة، (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)، أي يفرط علينا هنا أن يتسرع بالإساءة، وأن يطغى أي أن يزداد في الطغيان، والإيذاء، قال الله عز وجل: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)، أسمع ما يلفظ به فرعون، وأرى ما يبادر إليه، إن بادر إلى الإساءة، (إنني معكما أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى)، أي لا سلام لمن رفض الهدى، وإنما السلام على من اتبع الهدى، وهذه ختام الرسالة التي جملها موسى وأخوه هارون عليهما السلام، إلى فرعون.

بالتالي، إن قضية سياسة الدعوة قضية مهمة وأساسية لا سيما في هذا الزمان، الذي يواجه الإسلام فيه قوىً متعصبة ومترصدة للإسلام، تحاول أن تصدّه عن عقول الناس، وتحاول أن تقف في طريقه، خاصة أولئك المتعصبين لدياناتهم من غير الإسلام، يحملون شعارات معادية للإسلام، ويخاطبون مجتمعاتهم بأن دين الإسلام، دين شر وإرهاب، وأنه طريق إلى النكسة الحضارية، ليس هذا فقط، بل وأن المسلمين هم أعداء الحضارة، ولم نشهد في التاريخ مثل هذا الأمر، الأمر الذي بدأ في الدنمارك ومن ثم في فرنسا وغيرهما من الدول الغربية وكأنها عملية ممنهجة ومستمرة لمعادة الإسلام والمسلمين، على شكل حروب عبثية تحمل عنوان الفرعون في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والكثير من الدول الإسلامية، ومحاولة تفجير الإسلام من الداخل من خلال التحريض على التفرقة داخل البيت الإسلامي الواحد، الغاية من ذلك البدء بحروب أهلية يثيرها أعداء الله والإسلام، يذهب ضحيتها المسلم وحده.

هؤلاء المعادون للإسلام والمسلمين يتشاركون في سحق شعوب المنطقة الإسلامية، لكن الله عز وجل وهو القادر على كل شيء، يبلغ كل متكبر وطاغية، أنّ الهدى، هُدى الله، وأن محاولاتهم إيقاف المد الإسلامي، هي محاولات يائسة وفاشلة، لأن الإسلام دين الحب، ودين السلام الذي يأوي إليه دائماً أكثر العقلاء من الناس، الإسلام يزداد انتشاراً رغم جبروت من يحاول الإيقاع بالبيت الإسلامي الواحد، ولولا أنه يزداد انتشاراً، لما رأينا تحرك قوى الشر والعدوان باتجاه الدول الإسلامية والعربية، والخروج بمخططات لعلها شبيهة بزمن الفرعون مع اختلاف المسميات والأدوات، بالتالي، لا بد لنا أن نمضي في رحلة تشابه رحلة نبي الله موسى بالحفاظ على دعوتنا وأن ندافع عن الإسلام بكل ما نمل من قوة، (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)، وبذلك سوف يكبت الله هؤلاء الأعداء وسوف يريهم بأسه بأشكال وطرقٍ لن ولم يعرفوها من قبل.

الإسلام هو الدين الذي يجمع كل الأديان، قال تبارك وتعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)، هذا هو ديننا وهذا هو الإسلام، هو الإيمان بكل النبوّات التي سبقت نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، المسلم الحق يؤمن بكل الرسالات السماوية وبكل الأنبياء والمرسلين، الإسلام يجمع هذا كله ويلقيه في قلوب المؤمنين، لأن الإيمان حقيقته (لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، الإسلام دين حق ودين سلام وإخاء وتسامح، ومهما حاولوا النيل منه، بن يستطيعوا ذلك لأن الإسلام منزّه عما يكيد له الكائدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى