أصداء وآراء

الإنـسانـيـة والتـعـدديـة الدينـيـة..

الكاتـب/ جـمـال أسـعـد

 

الإنـسانـيـة والتـعـدديـة الدينـيـة..

 

تكلمنا على أن الانسانية هي المشترك الأعلى والأسمى الذى يربط الإنسان بأخيه الإنسان، وذلك حينما أراد الله وخلق كل الموجودات حتى تكون في خدمة هذا الإنسان مهما تعددت ألوانه ودياناته وجنسياته وأيا كانت انتماءاته.

ولما كان الإنسان مُطْلَق إنسان قبل الأديان، هنا كانت بداية الأديان هي وصية الله إلى آدم بألّا يأكل من هذه الشجرة.

تلك الوصية التي تتوافق مع آدم (الإنسان)، حين ذاك وبما يتوافق مع بساطته الحياتية والثقافية ..الخ، والأهم أن العلاقة بين الله الخالق وبين الإنسان المخلوق هي عقيدة الألوهية أي الإيمان بالإله الواحد، هنا مع فكرة التعددية وحكمة الاختلاف كانت التعددية الدينية المتأثرة بالزمان والمكان والثقافة والعادات والتقاليد …الخ، ولكن كل هذا في إطار عبادة الإله الواحد، كما أن التعددية هذه كانت أمرا طبيعيا يساير التطور الحادث لآدم الإنسان وعلى كل المستويات الثقافية والذهنية والعقلية . فكان الرسل والرسالات والأنبياء ثم الأديان . اى أن كل المعتقدات وكل الأديان ما قبل ما نطلق عليه الديانات السماوية أو الإبراهيمية هي بإرادة الله سبحانه وتعالى لأن محورها وغايتها عبادة الإله الواحد (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك) (من ليس لهم ناموس هم ناموس لأنفسهم)، وهذا يعنى أن هناك ما قبل الأديان الإبراهيمية عدد لا يحصى من العقائد والأديان وكلها اديان محورها عبادة الإله الواحد والدعوة إلى القيم الإنسانية النبيلة والعظيمة.

وهذا يعنى أن الأديان أيّاً كانت مسمياتها تتكامل نتيجة للتطور الفكرى والحياتى المصاحب لمسيرة الانسان والإنسانية.

فإذا كان الإنسان هو الانسان والأديان لكل صاحب دين هو الدين بكل ما يحمل من قداسة وقيم وأخلاقيات تتوافق مع واقع الإنسان سواء كانت اديان ما نطلق عليها اديان وضعية أو اديان سماوية فهذا الفصل راجع إلى حالة من التمايز يمارسها اصحاب الأديان الإبراهيمية تمايزا عن الاديان الاخرى ولكن كلها اديان تخص أصحابها والكل يؤمن بدينه ويقدسه بل يعليه على الاخر ايا كان مسمى هذا الدين . ولكن ماهى مظاهر هذا التكامل ؟ نرى فى الأديان الإبراهيمية الكثير جدا من المشترك بينها فى قصص الأنبياء بل فى سرد المسيرة الدينية المصاحبة للمسيرة الانسانية إضافة لمجموعة القيم والمقاصد العليا المشتركة بين هذه الاديان بل اهم الاهم هو المشترك الواحد فى عقيدة الألوهية وعبادة الله الواحد مهما تعددت العبادات وتميزت الطقوس. بل إن هناك ما هو مشترك بين الأديان الإبراهيمية وغيرها من الاديان غير الابراهيمية. فهناك مثلا بعض نصوص العهد القديم الذى يخص اليهود ما يتطابق مع بعض كتابات الديانة المصرية القديمة (نصا وحرفا !!) . وهذا راجع إلى أن كاتب النص التوراتي فى العهد القديم هو موسى الذى قال عنه العهد القديم (وتهذب موسى بحكمة المصريين).

أي أن الحكمة والقيم والمبادئ والمقاصد العليا هى واحدة فى جميع الأديان أياً كانت المسميات .. هل هناك مشترك على هذا الأساس بين الأديان الإبراهيمية والوضعية ؟ بالطبع ولوحدة الانسان ووحدة الأديان فى عبادة الله الواحد فلابد أن يكون هناك مشترك بين الأديان التى كانت للانسان.

فمثلا الديانة الزارادشتية تفرض على من يريد الدخول فيها يجب أن : ينطق الشهادتين ويغتسل ويتطهر ويقول (أشهد أني أؤمن بالله الخير .الغنى. وأتبع زارادشت رسوله الكريم)

كما أن فى هذه الديانة تؤمن بالملائكة التى تسجل اعمال الانسان منذ بلوغه وحتى مماته، كما يحرم على الزارادشتي الارتداد وإلا قتل، كما تقطع يد السارق وتحرم عليه الربا وشرب الخمر واللواط والكذب والانتحار.

تذكر الزارادشتيه أن قبل خروجه من بطن أمه بلحظات انبثق نور إلهى شديد اللمعان فرحت به الطبيعة ومن حولها السماء وسمع صوت يبشر بميلاده وذلك فى الغرفة التى ولد فيها والمضاءة بالنور الآلهى، إضافة إلى أن الزارادشتي يصلي خمس صلوات قبل الفجر وعند منتصف النهار. وقبل غروب الشمس وعند الغروب والخامسة فى الليل وأهم هذه الصلوات هى صلاة الفجر، ولابد من الوضوء بغسل الوجه واليدين والرجلين، كما دعي الى التوحيد ونبذ كل الآلهة الأخرى . هذه اشياء تتماثل مع ما جاء بالإسلام والمسيحية وهذه نماذج وأمثلة لوحدة الإنسان والإنسانية وتكامل الأديان أيا كانت المسميات فإنها هى لعبادة الله الواحد الأحد.

ولذا يمكن أن نقول إن الصراع بين الأديان لا علاقة له بجوهر وجلال الأديان، ولكنه الصراع الذى حول الأديان من الايمان بالله الواحد إلى أن تتحول الأديان الى ايدلوجية تحتم الصراع بين الإنسان والانسان على خلاف ما أراد الله، فهل نعى هذا ونؤمن بأن التعددية هى حكمة إلاهية تتماشى مع طبيعة الخلق وطبيعة الإنسان ومع حكمة الاختلاف التى أرادها الله لخير الانسان الذى سيحاسب الجميع على أعماله وعلى معتقده الذى اراده لنفسه ؟ حفظ الله الانسان من طغيان الذات ووهبه الحب الإنساني الذي يجمع بني الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى