أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الإيـثـار .. جـنـة الكـرمـاء..

الكاتـب/ زايـد الشـكـيـلـي

 

الإيـثـار .. جـنـة الكـرمـاء..

 

اليوم سنعرج قليلاً الى أهم الأخلاق التي هي أساس الحياة وجزء لا يتجزأ من المنظومة الإجتماعية ولعلها من الصفات التي تولد الرحمة والإحسان والإحساس بالآخرين من حولنا وهي حقاً من الصفات الحميدة التي تقربنا لرضى الله عز وجل كيف لا وهو الذي قال عز وجل في محكم كتابه (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، كما برز هذا الخلق في فعل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم- ووصاياه؛ إذ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشرَ المُهاجرينَ والأنصارِ، إنَّ مِن إخوانِكُم قومًا ليسَ لَهُم مالٌ ولا عشيرةٌ، فليَضمَّ أحدُكُم إليهِ الرَّجُلَيْنِ أوِ الثَّلاثةِ، فما لأحدِنا من ظَهْرٍ يحملُهُ إلَّا عقبةٌ كعقبةِ، يعني أحدِهِم) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا.

إن مستوى هذا الخُلق العظيم متباين بين مختلف البشر ولعل ذلك يعود الى ربط بعظهم ان الإيثار يتعلق بالجانب الكادي وهذا مفهوم خاطئ فالإيثار من الأخلاق الإجتماعية العامة فحتى فيما يتعلق بمعالجة المواقف والإصلاح بين الأخوين والتحدث والخطابة والإقناع هناك منافذ كثيرة يمكن لنا ان نمارس فيها خُلُق الإيثار فيما بيننا ومن حولنا والتي من شأنها حتماً إيجاد المحبة والإخاء والتآلف وتصلح ذات البين بما يحب الله ويرضى.

لا أحاول في مقالي هذا أن اشرح مفهوم الإيثار ولكني اتطلع إلى توضيحه بجوانب الحياة العامة ، ففي ذات ليلة شتوية وعند زيارتي لأحد المراكز الصحية وأثناء انتظاري للدور حصل موقف لا يجب ان يكون وقد حبانا الله في هذا الوطن الطاهر بالكثير من الخدمات المجانية ولكن عند مراجعة أسره صغيرة مكونة من الأبوين وطفلهما كان الأب بكل الأدب يتحدث إلى موظف الإستقبال الذي بدوره كان يخدم المرضى بكل الإخلاص وأثناء نقاشهم إذ يعلو صوت الأم “ولكن طفلنا يتألم كثيراً” ، نسيت بأن الأطفال الذي ينتظرون في الدور يتألمون كذلك ، نسيت أن الموظف لا يستطيع تقديم أي استثناءات كون الخدمة إلكترونية من جانب و القاعة مليئة بالمراجعين من جانب آخر ، هنا نسيت الأم خلق الإيثار.

وفي موقف آخر إذ يؤدي رجل المرور عمله بإخلاص لتنظيم السير ويحاول جاهداً فك الاختناق المروري بكل سلاسة وهو يكابد حر الشمس الحارقة وإذا بأحدهم يكرر ضغطه عل بوق السيارة “الهرن” لماذا هل انت فقط من يستعجل الوصول الى وجهته وماذا عن الأخرى وبكل تواضع يشير اليه رجل المرور بالتمهل قليلاً وعند فتح المجال إذ يفحك بإطارات سيارته الرياضية وهي في حد ذاتها مهانة لذاك المخلص في تأدية واجبة.

وتتكرر المواقف كثيرا وانت عزيزي القارئ قد شاهدت الكثير منها ولعل رسالتي من هذا المقال هي التذكير بأنه من المهم جداً محاسبة الذات فمالك وجاهك ونفوذك وطغيانك لك وحدك فقط وقد ينقلب عليك في لحظة ويكون عليك فانتبه بدقة الى تصرفاتك وسلوكياتك فمن الجميل جداً هذا المشهد الذي رايته في سوق الموالح عندما قام شاب من تجار الخضار باستئجار عربة وكان صاحبها رجل كبير في السن وكان يدف عربته تابعاً المستأجر ويملأها بالأغراض حتى بات من الصعب دفها والتحكم بها وما من الشاب التاجر اللطيف بعد ان انهى كل مشترياته وكنت اراقبه بدقه الا ان استأذن الرجل ان يقوم بقيادة العربية وكان الرجل يرفض ذلك كون ان الشاب التاجر سيدفع اجرة العربة ودار الحوار بينهم “المعازم” إلى أن تمكن الشاب من الحصول على قيادة العربة وذهبا بها إلى سيارته والرجل الكبير يمشي خلفه ويهز رأسه بأن ما يحصل لا يمكن وبعد تفريغ العربة دفع الشاب ضعف الأجر للرجل الكبير وهنا بدأ المعازم من جديد ، وهنا نقول أي إيثار عامر في قلب ذاك الشاب ؟ وأي روح طاهرة ممتلئة بالرحمة والعطف وحب الخير للآخرين ؟ بارك الله في عمره وشبابه ورزقه.

ء بان يعمر الله فكرك وروحك باليقين والقناعة والرضى ولعلنا نستذكر هنا بعض الصفات الحميدة والفوائد العظيمة التي يخلفها الإيثار فينا مثل تحقيق لإيمان المؤمن وكماله ؛ إذ إنَّه يؤثر غيره على نفسه طلباً للأجر من الله سبحانه والإيثار دليل على حسن الظنَّ بالله تعالى وهو سبب لجلب البركة والخير للمؤمن ويبعد المسلم عن التكبُّر والأفعال المذمومة ، إذ إنَّ نفس المؤمن الذي يؤثر غيره عالية عن سفاسف الأمور ، كما انه يزيد من الألفة والمحبة بين الناس ،  وذلك من خلال التَّعاون وإيثار بعضهم على بعض ويصل الإيثار بالعبد إلى دار الفلاح ، إذ إنه يقي صاحبه من الوقوع في الشح المذموم وذاك الإنسان الرائع الذي يؤثر غيره على نفسه يرزقه الله تعالى من حيث لا يحتسب ويزرع الله تعالى في قلبه القناعة وفي نفسه البركة وفي حالة العافية وفي ذريته حسن الخلق.

إن ما يبدد هذه الأخلاق العظيمة في نفوسنا ليس الا التباهي والكبرياء ، ليس الا التقليد لبعض السلوكيات الدخيلة المجردة من الخوف من الله تعالى ، والتشدق بمفهوم الخصوصية المتناهي وما أروع الإنسان حينما يعيش بعفويته الربانية وفطرته التي خلق عليها ، وإني إذ أذكرك عزيزي القارئ ونفسي أولاً بأن الكبرياء مذموم وهو انكر الصفات والسلوك الذي قد يبتلى به الإنسان فانتبه من الوقوع في هذا الفخ المذموم وعش متراحما مع بني أمتك ممن سيدعون لك بالخير.

إنـَّما الإيثارُ حِصْـــــــنٌ          أوْجَـبَـتْ كـُـلَّ الثـَّناءْ

قِـمَّة ُالأخلاق ِ تـَكـْسو          أهْـلها ثـَــوبَ البَهاءْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى