أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (2)..

الدكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

مسـتـشار قانـونـي

 

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (2)..

 

تناولنا في الجزء الأول من مقالنا هذا فكرة عامة عن فعل الابتزاز كظاهرة اجتماعية اعتباره نتاج العلاقات الاجتماعية في ظل نشوء وتطور المصالح والمنافع المادية والمعنوية المتبادلة بين افراد المجتمع، وللسلوك الغريزي الذي يمتلكه الانسان في حبه للمال تصديقا لقوله سبحان وتعالى ” وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) ” صدق الله العظيم (سورة الفجر)، جعلت منه طامعا في المال وساعياً للاستئثار به باي وسيلة كانت لسد احتياجاته المعيشية به، ولقياس مدى أثر هذا الفعل (كظاهرة اجتماعية) على الفرد والمجتمع يكون من الأهمية تفسيره من منظور علم الاجتماع كسلوك ومن منظور علم القانون كمخالفة في ارتكابه، لأجل البحث عن الحلول الوقائية منه والتصدي له.

فإن فعل الابتزاز كأحد الظواهر الاجتماعية في علم الاجتماع، وظاهرة جرمية بحسب مفهوم علم الاجرام (criminology) مثّل خطراً اجتماعياً إلى جانب الأفعال الإجرامية الأخرى، التي تهدد الكيان البشري في أمنه، واستقراره، فانطلاقاً من الخطورة التي تتسم بها الظواهر الإجرامية ككل، لهذا أولت اهتماماً من قبل علماء القانون والنفس حتى تمخضت دراستهم لها إلى نشوء علم مستقل باسم علم الاجرام(criminology) .

ولئن كان هذا العلم حديث النشأة شأنه والعلوم المتصلة بدراسة الإنسان، التي لم تتطور إلا بتطور المنهج العلمي التجريبي في دراسة الظواهر الاجتماعية والبحث في الحقائق الحياتية، مما ساعد إلى ظهور العديد من النظريات التي تفسر النزعة الإجرامية لدى بعض الأشخاص من خلال اجراء بعض التجارب على بعض المجرمين في سلوكهم وهم أحياء وعلى جثثهم وهم أموات لملاحظة تكوينهم الجسدي أو ملاحظة سلوكهم وصفاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية قياساً على مدى تأثيرها في سلوكهم الاجرامي، ومن هذه النظريات نظرية لومبروزو (Lombroso) التي ترتكز على (ملاحظة التكوين الجسدي لدى المجرمين الذين يتميزون بها عن غيرهم)، ونظرية التكوين الإجرامي لدى ديتوليو (Di Tullio) (التي تتفق مع نظرية لومبروزو إلا أنها تنكر عليها أن يكون ما ذهبت إليه وحيداً في تفسير السلوك الإجرامي، وإنما يشكل مع غيره من العوامل الاجتماعية عاملاً مركباً للسلوك الإجرامي)، ونظرية مدرسة التحليل النفسي لسيغموند فرويد (Sigmund Freud) إذ تقوم هذه المدرسة على فكرة (إرجاع السلوك الإجرامي إلى العوامل الفردية، وتقسم النفس الإنسانية الى ثلاث مراتب؛ المرتبة الأولى :  النفس ذات الشهوة “الذات الدنيا”، المرتبة الثانية : الذات الشعورية أو الحسية “العقل”، المرتبة الثالثة : الذات المثالية “الضمير”)، ونـظـرية التفكك الاجتماعي للعالم الأمريكي لثورستن سيلين (Thorsten Sellin) التي تقوم على فكرة (التفكك الأسري والمجتمعي استخلاصا من مقارنة الظواهر الاجرامية بين المجتمعات الريفية التي يكون بها انخفاضاً في حجم الظواهر الإجرامية نتيجة التماسك الاجتماعي قياساً إلى حجم تلك الظواهر في المجتمعات المتحضرة التي يكون بها التفكك الاجتماعي قائم)، ونظرية العوامل الاقتصادية تقوم على (تفسير الظاهرة الاجرامية من خلال الربط بين الأوضاع الاقتصادية السائدة وبين السلوك الاجرامي).

وعلى الرغم من محاولات علماء القانون والاجتماع في إيجاد تفسير للظاهرة الاجرامية في المجتمعات الانسانية، إلا أن اغلب نظرياتهم التي توصلوا اليها لم تثبت صحتها من حيث تعميمها على كافة الظواهر الاجرامية، لاختلاف ظروف وطبيعة هذه المجتمعات باختلاف ظروفها الزمانية والمكانية.

فإن العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي حددها العلماء – كما أشرنا إليها آنفا – في إطار ما توصلوا إليه من نظريات في محاولاتهم لتفسير الظواهر الاجرامية قد تساعد أيضا بالمحاولة في تفسير ظاهرة الابتزاز كفعل اجتماعي، الذي نراه على انه سلوك اجتماعي يلجأ إليه الفرد كوسيلة تكّسب سهله دون تكلف، أو قد يكون مسلكاً اجتماعياً ناتجاً عن العلاقات أو المحيط الاجتماعي الذي يحيط به الفرد وخاصة في المجتمعات التي يعتريها خلل في أنظمتها وثقافتها وهويتها – هذا أن مثلت كظاهره في المجتمع-، وأيضا قد يرجع إلى العديد من الأسباب الاقتصادية كتردي الأوضاع المعيشية بزيادة الفقر التي تكون عاملاً للتحفيز على الاستغلال بين فئات المجتمع.

ومن ذلك نخلص إلى أن هذه الظاهرة أصبحت لا تقل خطورة عن الأفعال الاجرامية الأخرى في ظل التطور والتقدم التكنلوجي التي تشهده المجتمعات الانسانية، ليكون من الضرورة إيجاد الحلول الممكنة للتصدي لها، وبأن لا تقتصر هذه الحلول على جانب معين، بل تشمل كافة الجوانب الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والتقنية.

ومن هذا المنطلق تنبثق الحلول الممكنة قياسا على مستوى الظاهرة في محيط أي مجتمع، التي أصبحت على اتساع وتنامي مع التطور السريع الذي يشهده العالم، فمن الضروري أن تأتي الحلول على الجانب الاجتماعي أولاً من خلال المحافظة على هوية وثقافة المجتمع، والمحاولة ببث الثقافة المجتمعية والترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطعيمها بالمغذيات الثقافية الخاصة بالمجتمع من خلال بث محتوى يرسخ مفهوم الخصوصية المجتمعية دون أن يحد من الانفتاح على المجتمعات الأخرى وفق الحدود والضوابط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى