أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (3)..

دكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

مسـتـشار قـانـونـي

 

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (3)..

 

تناولنا في الجزئيين الأول والثاني من هذا المقال فكرةً عامة عن الابتزاز من الناحية الاجتماعية والقانونية، ومفهومه كظاهرة اجتماعية، وأما مفهومه وفقاً للاصطلاح القانوني فيّعرف على أنه تهديد يقوم به شخص لشخص آخر بكشف معلومات معينة عنه أو القيام بفعل غير مشروع أو الامتناع عن فعل بقصد الأضرار به إذا لم يستجب لمطالبه، وغالبا ما تكون المعلومات أو الأفعال المستخدمة في عملية الابتزاز ذات طبيعة ضارة بشخص الضحية من الناحية المادية أو المعنوية سواء كان ذلك في ماله أو شخصه أو النيل من سمعته أو مكانته الاجتماعية.

– فعل الابتزاز ليست جريمة مستقلة:

فوفقاً للمفهوم الاصطلاحي للابتزاز يتبين أنه يقوم على فعل التهديد من أجل تحقيق منفعة مادية أو معنوية، لذلك فأن القوانين لم تحدد فعل الابتزاز كجريمة مستقلة بذاتها ولئن افرد القانون العماني فصلاً مستقلاً عن ابتزاز الأموال في جريمة السرقة حسب الفصل الأول من الباب الثاني من قانون الجزاء العماني، وهذا لا يعني أن الجرائم الأخرى التي تقوم على فعل التهديد تنتفي عنها صفة الابتزاز ما دام أن مناط تحقيق المنفعة يقوم على تهديد الضحية للقيام بأفعال غير مشروعة، ومن ذلك تتحدد عناصر هذا الفعل ليكون عنصرا من عناصر الأفعال التي تشكل جريمة، وحتى ينال الفعل صفة الابتزاز لا بد أن تتوافر به اربع عناصر هي:

1- أن يكون هناك فاعل (المُهَدِّد بالفعل).

2- ومفعول به (ضحية الابتزاز).

3- محل الابتزاز (المنفعة المراد الحصول عليها).

4- التهديد (الأفعال المهدد بها في حالة عدم قيام المهدد بتنفيذ ما يطلب منه).

فإن في الأصل لا يجرم فعل التهديد بالابتزاز إذا لم تصاحبه نتائج لأفعال مجرمة أخرى على اعتبار أن جريمة الابتزاز جريمة مادية وليست شكلية أي أنها جريمة نتيجة، ولقيامها لابد من توافر الركن المادي لها، وهو بقيام الفاعل بنشاط اجرامي ينتج عنه تحقيق نتيجة معينة، وفي بعض الحالات التي حددها القانون يكون فعل التهديد مجرما بحد ذاته دون أن يتطلب تحقق نتائج لأفعال أخرى متى كان فعل التهديد بحد ذاته يشكل إضرارا بالمصلحة العامة، وأن لم تتحقق نتيجة الفعل المهدد به، ومثال على ذلك، ابتزاز السلطة العامة بالتهديد القيام بارتكاب جرائم القرصنة والاعتداء على وسائل النقل العام والمرافق العامة بهدف إجبار شخص القيام بفعل او الامتناع عن القيام به، متى كان التهديد يعرض الملاحة الآمنة لوسائل النقل العام للخطر، وهو ما جرمته المادة (168) من قانون الجزاء العماني بمعاقبة من يرتكب هذا الفعل بالسجن مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات.

وكذلك في حالة القيام بتهديد موظف عام باستعمال القوة أو العنف أو التهديد ليحمله بغير حق على أداء عمل من أعمال وظيفته أو على الامتناع عنه سواء توصل الجاني الى مقصده ام لم يتوصل وذلك حسب ما حددته المادة (193) من قانون الجزاء العماني.

وأما إذا كان فعل الابتزاز بالتهديد لارتكاب أفعال تمس المصلحة الخاصة فإنه يشترط أن يكون مصاحباً لنتائج أفعال أخرى، كارتكاب فعل البغاء والفجور تحت وطء التهديد وفق المادة (254) من قانون الجزاء العماني التي رتبت عقوبته السجن لمدة لا تقل عن (3) ثلاث سنوات ولا تزيد عن (10) عشر سنوات، وهذا يتصور في حالة الإيقاع بالضحية من خلال الحصول على معلومات شخصية عن الضحية تمس خصوصيته وعلاقاته، وخاصة إذا كان المجني عليه قاصرا أو فتاة، بأن يتم تهديدهم بفضحهم أمام ذويهم أو العامة في حالة لم يمتثل بممارسة البغاء والفجور لصالح المبتز.

وكذلك أن فعل هتك عرض ذكر أو أنثى بغير رضاه مجرم بنص المادة (258) من قانون الجزاء العماني الذي تصل عقوبته السجن لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على (3) ثلاث سنوات، ويتصور تحقق عدم الرضا في هذه الحالة عند شل إرادة المجني عليه قبوله أو رفضه لممارسة هذا الفعل في حالات الاغتصاب أو الحيلة أو التهديد بابتزاز المجني عليه في حالة رفضه أن يتم فضحه أو ارتكاب أفعال مادية أخرى ضده كالقتل أو التعذيب.

وكذلك هو الحال في السرقة بالإكراه أو التهديد باستعمال السلاح، أو يكون في ظروف تُكره المجني عليه إلى الاستجابة إلى مطالب المجني، وهذا حسب ما حددته المادة (335) وما يليها من قانون الجزاء العماني.

– أركان جريمة الابتزاز:

إن العنصر الأساسي في فعل الابتزاز هو التهديد كفعل مجرم اعتباره إكراها معنويا، ويستوي في ذلك ان يكون التهديد شفويا او كتابيا، وحتى يكون الفعل مجرما بحسب القانون، لا بد أن يتوفر به ركنين (مادي ومعنوي)، فالركن المادي بحسب ما بينته المادة (27) من قانون الجزاء العماني على أنه “…نشاط مجرم قانوناً بارتكاب فعل، أو امتناع عن فعل”، كتنفيذ القتل أو القيام بالسرقة والاعتداء، وأما الركن المعنوي وفقاً للمادة (33) من قانون الجزاء العماني على أنه “…هو العمد في الجرائم المقصودة، والخطأ في الجرائم غير المقصودة. ويتوفر العمد باتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل متى كان هذا الارتكاب أو الامتناع مجرماً قانوناً، وذلك بقصد إحداث نتيجة مباشرة أو أي نتيجة أخرى مجرمة قانوناً يكون الجاني قد توقعها وقبل المخاطرة بها. وتكون الجريمة عمدية كذلك إذا وقعت على غير الشخص المقصود بها. ويتوفر الخطأ إذا وقعت النتيجة الاجرامية بسبب خطأ الفاعل، أو عدم مراعاة القوانين أو الأنظمة”.

 يعتبر الابتزاز بوصفه أحد الأفعال التي تشكل جريمة، فهو يشكل عنصر العَمْد في الركن المعنوي لها، الذي يتطلب توافر قصد جنائي عام وخاص، فالعام يتمثل في علم الجاني بأن ما يصدر عنه من أفعال تشكل جريمة، وان محل الاعتداء ليس له الحق فيه، وأما الخاص يتمثل في نية تملك الجاني مال الضحية أو منفعة منه، ولا عبرة بالبواعث التي دفعت به للحصول على المال أو المنفعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى