أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (6)..

الدكتـور/ سعـيد بن عـبدالله المعشري

مسـتـشار قانـونـي

 

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (6)..

 

كما أسلفنا ذكره من قبل، بأن جريمة الابتزاز الالكتروني تقوم على التهديد بالكشف عن البيانات والمعلومات بهدف الإضرار بالضحية، وبما أن التقنية الرقمية الحديثة أدت إلى توسع دائرة ارتكاب هذه الجرائم، لذلك يرى، بأنه من الأجدى نفعاً إلى جانب ما يتطلبه الأمر من معالجات وحلول قانونية واجتماعية للحد من أثار هذه الجرائم بأن تكون المعالجة أيضاً بذات الوسائل المستخدمة لارتكابها، وهو بتهيئة وسائل تقنية خاصة قادرة على تحديد وتفنيد خطورة أي اجراء أو عملية تقنية بفك الشيفرة الرقمية لها وقراءتها وتحديد هويتها وأهدافها ومدى خطورتها وتدميرها أو التصدي لها.

فمن أجل ذلك لعب علماء ومبرمجي ومهندسي التقنية دوراً بارزاً نحو إيجاد نسق حماية قصوى للبيانات والمعلومات من السطو والسرقة سواء المخزنة في أنظمة التخزين السحابي (Cloud Storages) أو في الخوادم الخاصة (Servers) لشركات التقنية أو الحكومات أو على الأجهزة الخاصة بالمستخدم التي يرتبط بها بالشبكة الرقمية (الانترنت) أو بالشبكات المعلوماتية الخاصة،  ونتيجة لذلك ظهرت مجالات تقنية عديدة لتوفير الحماية الرقمية للمعلومات والبيانات بأعلى المستويات، منها يُعرف بالأمن السيبراني والآخر بأمن المعلومات الرقمية التي تُبنى في الأساس على برامج تقنية متعددة كبرامج مكافحة الفيروسات (Antivirus Software) وبرامج جدار النار (Firewall)، ليكون دورها حماية المستخدم من الاختراقات والهجمات والسطو على بياناته ومعلوماته المخزنة في الخوادم أو بأنظمة التخزين السحابي أو أجهزته الخاصة.

– مجالات التقنية للتصدي لظاهرة الابتزاز الالكتروني والجرائم الالكترونية الأخرى :

إن مع تزايد برامج التجسس والاختراقات والفيروسات على الشبكات الرقمية، وانجذاب مجرمي الشبكة العنكبوتية الى البيانات الهائلة لاستخدامها في جرائمهم المختلقة كالاحتيال والسرقة والابتزاز، ساعد على نمو ظاهرة الاجرام الالكتروني وتوسعها، مما استدعى الأمر إلى توفير الابتكارات والأدوات الحمائية للحكومات والمؤسسات والافراد منها، لذلك ظهرت مجالات تقنية عديدة تقوم على التطبيقات والعمليات التكنلوجية المبتكرة لتحقيق توفير حماية كاملة تعرف بالأمن السيبراني (Cyber Security) ومنها يعرف بأمن المعلومات الرقمية (Digital Information Security).

ويقصد بالأمن السيبراني (Cyber Security) على أنه عملية استخدام التقنيات والعمليات لحماية الأنظمة والشبكات الالكترونية، والبرامج، والأجهزة، والبيانات من الهجمات الإلكترونية (Cyber Attacks) وهو يركّز فقط على التهديدات التي تتم عبر الإنترنت، حيث يغطي الأمن السيبراني مساحة أكبر، ويحمي شبكات كاملة وأنظمة الحاسوب والمكونات الرقمية الأخرى، والبيانات المخزنة داخلها من الوصول غير المصرح اليها، وكذلك يحمي البنية التحتية الرقمية وجميع الأنظمة المعلوماتية والشبكات.

ويقوم هذا المجال على تقنية السماح بمرور البرامج التي تمتلك الثقة من المستخدم، بما فيها المتاجر الإلكترونية بعد التأكد من أمان استخدامها، ومنع البرامج الخبيثة من التطفل أو استغلال الثغرات، وكذلك حماية الأجهزة من التهديدات الداخلية التي قد تتم بناء على قلة ثقافة المستخدم أو جهله بسياسات الأمان التكنولوجي، وإلى جانب ذلك يقوم ببناء جدار حماية لأجل تصفية المخاطر الخارجية التي يسفر عنها التعامل مع الفضاء الرقمي، بداية من مخاطر الرسائل الإلكترونية الخطرة أو الروابط الخبيثة أو الفيروسات أو معالجة الضعف في النظام أو الثغرات التي قد تستغلها أطراف أخرى.

بالإضافة إلى تفعيل خاصية المراقبة المستمرة لاكتشاف أي خلل، والعمل على سرعة اصلاحه لمنع وقوع أي ضرر جراءه، وضمان الحفاظ على سرية وخصوصية البيانات والمعلومات والامتثال للقوانين والسياسات التشريعية الخاصة بأمن المعلومات، وكذلك التنوع في وضع الحلول المجمعة التي تتعلق بالتعامل مع الهجمات الإلكترونية المختلفة التي تشكل تهديدًا على سلامة وأمن المعلومات.

وأما مجال أمن المعلومات الرقمية (Digital Information Security) يهدف إلى حماية البيانات الخاصة سواء كانت رقمية أم تناظرية، وحماية قواعد البيانات، ووفقاً لهذا المجال التقني يكون من الضروري توفير حماية خاصة لقواعد البيانات العامة المخزنة على أنظمة التخزين السحابي أو على الخوادم الخاصة بالحكومات أو المؤسسات أو الأفراد.

وكذلك من الأهمية للمستخدم توفير الحماية اللازمة لمعلوماته وبياناته الشخصية المخزنة على أجهزته وشبكته الداخلية، من خلال الاستعانة بالبرامج الحمائية التي تطرح من الشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال، التي من الممكن للمستخدم اقتنائها وتنصيبها على أجهزته الخاصة، فهي تعمل على اكتشاف الملفات الخبيثة المتطفلة التي تصيب أجهزته وإزالتها بشكل تلقائي، ومن ناحية اخرى تعمل كحائط صد لحماية حساباته وبياناته الخاصة المخزنة على أجهزته عند اتصالها بالإنترنت من برامج التجسس وغيرها من البرامج التي تعمل على التصييد والاستيلاء على البيانات المخزنة بها.

– انشاء مركز الدفاع الالكتروني بالسلطنة خطوة بناءه لتعزيز القدرات للتصدي للتهديدات الالكترونية :

إن ما وفرته الثورة الرقمية من سبل لتقارب الناس وتسهيل تبادل المنافع المعيشية فيما بينهم، إلا أن هذا الأمر لم يسلم من جوانبه السلبية في ظل وجود فئات بشرية سواء كانت حكومية أو عصابات أو افراد جعلت من هذه الوسائل أدوات للأضرار بالآخرين أو للكسب غير المشروع، وبهذا شكلت نمطاً افتراضاً للهجوم على الاخرين الذي يسمى بالهجوم السيبراني أو الالكتروني سواء بقصد السرقة أو الاحتيال أو التصيّد أو التدمير أو التعطيل.

ونتيجة لما خلفه هذا النمط الافتراض من أثار اقتصادية واجتماعية على الدول ومجتمعاتها، جعل منه أمراً ضرورياً للدول بالسعي إلى توفير وتهيئة السبل لمواجهة هذا الواقع وحماية أنظمتها ومجتمعها وأفرادها منه، وهو ما اقدمت إليه السلطنة بإنشاء مركز للدفاع الالكتروني بموجب المرسوم السلطاني رقم (64/2020م) وإصدار نظامه الخاص ليكون مسؤولا على بناء القدرات الوطنية المتخصصة في مجال الأمن الالكتروني، ووفقا للمادة (5) من نظام المركز على أنه يهدف على تعزيز قدرات الجهات والافراد على التصدي للتهديدات الالكترونية وبناء القدرات الوطنية المتخصصة في مجال الأمن الالكتروني عبر خلق شراكات بين القطاعات المعنية محليا ودوليا، ويمارس المركز اختصاصاته وعمله عبر لجنة الدفاع الالكتروني تنشأ بموجب المادة (7) من نظامه.

فإن هذه الخطوة الرائدة التي أقدمت إليها السلطنة تعد من الأسس الضرورية لمواكبة التقدم والتطور الرقمي الهائل للاستفادة منه، مع اتخاذ السبل الكفيلة لحماية الأنظمة والمجتمع وافراده من تبعاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى