أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (1)..

الدكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

مستـشار قانـونـي

 

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (1)..

 

إن فعل الابتزاز مثّل ظاهرة اجتماعية في كافة المجتمعات الإنسانية على مر التاريخ، كأحد الظواهر المنتشرة بين عوام الناس الذي كان لا يقتصر حدوثه في علاقاتهم المالية بل يتعداها إلى علاقاتهم العاطفية والأدبية، ولئن بدأت هذه الظاهرة كفعل تسلطي من الطبقة المتحكمة في رؤوس الأموال لأجل الحصول على المنفعة في زيادة رؤوس أموالها عن طريق ابتزاز الطبقات الكادحة في معيشتها من خلال احتكارها للإنتاج واقتصاد السوق، مكنها من تسخير الطبقات الكادحة في خدمتها بقبول أقل أجر، مما جعلها ظاهرة تهدد أمن واستقرار المجتمعات الانسانية حالها والأفعال العدائية الأخرى.

فقد كانت هناك العديد من الوسائل لارتكاب فعل الابتزاز التي يلجأ إليها المبتز في الإيقاع بالضحية للحصول على المنافع المادية او المعنوية؛ كالترهيب، والتهديد بالقيام بفعل كفضح الضحية أمام الناس مقابل الحصول على منفعة جنسية أو خطف أحد ابناءه مقابل حصول المبتز على مبلغا من المال، أو كالامتناع عن فعل بحرمان الضحية من الاكل أو الشرب أو المال مقابل حصول المبتز على منفعة معينة.

فأن مع التطور والتقدم التكنولوجي الذي أحدث طفرة في وسائل الاتصالات وتقنية المعلومات، ساعد على بروز العديد من وسائل الاتصال الحديثة جعلت من الناس أكثر تقاربا، نتج عنه إلى تنامي ظاهرة الابتزاز وتوسعها على كافة الأصعدة والمستويات المحلية والدولية.

لئن كان التطور والتقدم التكنلوجي مثّل ظاهرة إيجابية لخدمة البشرية لتحقيق رغباتها المعيشية وتبادل المنافع المشروعة فيما بينها، إلا أن لغرائز الانسان الفطرية التي جبلت على أن يتدبر الانسان في استجلاء مصالحه العامة والخاصة، ومنهم من يسعى إلى ذلك دون النظر الى الوسيلة المستخدمة أن كانت مشروعة أو غير مشروعة، مما جعل من هذا التطور جوانبه السلبية في اقتضاء مصالح غير مشروعة للحصول على منافع مادية ومعنوية، إذ مكنت هذه الوسائل إلى تنوع وسائل وطرق الابتزاز بشكل متواتر وسريع جعل الأمر بالغ الخطورة في توسيع دائرة ممارسته وزيادة ضحاياه العابرة للحدود من مختلف الاجناس والأعمار.

نتيجة لذلك برزت ظاهرة جديدة مثلت تطورا للابتزاز أي بما يعرف بالابتزاز الالكتروني – كأحد أنواع الجرائم الالكترونية – التي تتشابه في الفعل والنتيجة والهدف مع جريمة الابتزاز التقليدية، وتختلف معها في الوسيلة المستخدمة التي هي الوسائط والمنصات الالكترونية، ومثّل هذا النوع من الابتزاز محورا بالغ الخطورة لدى الكثير من الدول اقتضى الامر لديها إلى الإسراع إلى مراجعة سياساتها القانونية للحد من  خسائر اقتصاداتها الفادحة نتيجة هذا التطور بالبحث عن معالجات قانونية وتقنية، فالتقنية من خلال تدعيم منصاتها الالكترونية بالبرامج المعروفة بجدار النار، وبرامج مكافحة الفيروسات الهجومية (التهكيرية) التي تسطو على معلومات المستخدم وتسرق منه بياناته ومعلوماته الخاصة، الذي يجعل منه عرضه للمساومة عليها في مقابل الحصول على منفعة مادية كالحصول على المال أو الحصول على منفعة معنوية.

وعلى الرغم من اهتمام الدول بالتشديد في عقوبة جريمة الابتزاز ضمناً من خلال تشديدها للعقوبة في الجرائم التقليدية والالكترونية التي تمس سلامة الانسان في جسده وماله وشرفه، فقد مثلت الجريمة الالكترونية تحولا خطيرا في الجرائم التقليدية، إلا أن تشريعات الدول لم تفرد وصفاً مستقلا لجريمة الابتزاز حيث جعلتها كفعل من أفعال الجرائم الأخرى، كتشديد العقوبة مثلا على من ارتكب فعل الإكراه أو التهديد أو الحيلة على شخص جعله يمارس البغاء أو الفجور، وهذا ما سار إليه المشرع العماني وفق المادة (254) من قانون الجزاء العماني.

وفيما يتعلق بالتطورات التشريعية بشأن التصدي للجرائم الالكترونية، فقد افرد المشرع العماني قانون خاص لمكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم ( ١٢ / ٢٠١١) وبه اورد نصا خاصاً وفقا للمادة (2) يخرج به عن مبدأ الصلاحية الإقليمية في ارتكاب جرائم تقنية المعلومات الخاضعة للقانون بحيث لا يشترط أن يرتكب هذا النوع من الجرائم على إقليم السلطنة بل تخضع أي جريمة الكترونية ترتكب خارج السلطنة كلياً أو جزئياً متى اضرت بمصالح السلطنة أو تحققت النتيجة الجرمية في اقليمها أو كان يراد أن تتحقق فيها وأن لم تتحقق، ولا يتصور ارتكاب مثل هذه الجرائم كليا في إقليم السلطنة أو داخل إقليم أي دولة وحدها بحكم وجود الفضاء الالكتروني الواسع والمفتوح للجميع على مستوى العالم (عبر الشبكة العنكبوتية الانترنت).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى