أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتـزاز بين الفعـل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (4)..

الدكـتـور/ سعـيد بن عـبدالله المعـشـري

مسـتـشار قـانـونـي

 

الابتـزاز بين الفعـل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجـزء (4)..

 

إن للطفرة الرقمية الهائلة التي يشهدها العالم نتيجة للتقدم والتطور التكنولوجي أدت إلى ظهور عالم افتراضي جديد ومفتوح (A new and open virtual world)، يجتمع من خلاله البشر للتواصل فيما بينهما لتحقيق غاياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويٌعرف اليوم بالشبكة العنكبوتية (Internet)، مكّن من ظهور عالم جديد من الإجرام تتميز فيه الجرائم بطابعها الخاص كونها تُرتكب بوسائل وطرق الالكترونية مختلفة عن مثيلتها في الجرائم التقليدية، وخاصة في ظل تنامي وتطور تقنية الاتصالات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي (Social Media)، جعل منها مكاناً افتراضياً لارتكاب العديد من الجرائم تُعرف بالجرائم الالكترونية، وينضوي تحتها العديد من الجرائم منها السرقة والاحتيال والتهديد والتجسس والابتزاز وغيرها.

– الجريمة الالكترونية (Cyber Crime)..

الجريمة الالكترونية هي الأفعال غير المشروعة التي تُرتكب من مستخدم (User) متصل بواسطة وسائل تقنية المعلومات بالشبكة العنكبوتية (Internet) أو بالشبكة المعلوماتية (Network) عن طريق اختراق الانظمة الالكترونية الحكومية أو الخاصة التابعة لمنظمة أو مؤسسة أو شركة أو أشخاص للحصول على معلومات أو بيانات معينة لتهديدهم بها في سبيل ارتكاب جرائم أخرى أو لابتزازهم بها أو سرقتها أو التجسس عليها أو تدميرها وغيرها من الأفعال غير المشروعة التي تُرتكب بوسائل تقنية المعلومات والطرق الالكترونية المختلفة.

وبما أن الاختراق الالكتروني (Electronic Hacking) يمثل أحد الطرق الرئيسية لارتكاب هذه الجرائم، لذلك يُعّرف على أنه القرصنة أو السطو على نظام أو شبكة عامة أو خاصة متصلة بوسائل تقنية المعلومات للوصول غير المصرح إليها أو التحكم فيها لأغراض غير مشروعة وقد يكون لأجل ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني أو غيرها من الجرائم الالكترونية.

– جريمة الابتزاز الالكتروني (Electronic Blackmail Crime)..

تعتبر جريمة الابتزاز الالكتروني أحد الجرائم الالكترونية تفشيا في العالم الافتراضي الجديد على الشبكة العنكبوتية (Internet)، ويرجع في ذلك إلى العديد من الأسباب أهمها:

1- تردي الأوضاع المعيشية في المجتمعات بسبب زيادة البطالة والفقر.

2- التوترات السياسية بين الدول التي تجعل من حكوماتها او شعوبها أن تتبني الاختراقات الالكترونية (Electronic Hacks) ضد حكومة او شعب الدولة الأخرى من أجل الابتزاز أو التجسس.

3- سهولة ارتكاب الجريمة بالوسائل الالكترونية المتاحة.

4- سهولة إخفاء معالم الجريمة وإمكانية التخفي لمرتكبها.

5- نمو النشاط الاجرامي للعصابات على مختلف الوسائل والمنصات على الشبكة العنكبوتية (Internet).

6- تزعزع القيم الدينية والمجتمعية في كافة المجتمعات بسبب التمدن والعولمة.

7- الطمع والجشع بالسعي إلى الثراء الفاحش.

8- تدني الوعي بمخاطر استخدام المواقع والمنصات الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي دون استخدام برامج الحماية من الفيروسات والاختراقات.

9- شيوع الاعلانات المضللة والمحادثات المغفلة على المنصات الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.

10- ضعف السيطرة وفرض الرقابة على مستخدمي الشبكة العنكبوتية (Internet) من قبل حكومات العالم.

فأما التكييف القانوني لجريمة الابتزاز الالكتروني لا يختلف عن جريمة الابتزاز التقليدية سواء من حيث طبيعتها واركانها، وتختلف عنها من حيث الوسائل والطرق في ارتكابها –كما أشرنا إليها آنفاً، وبالنسبة لعناصر فعل الابتزاز المكون للجريمة هو ذاته في الجريمة التقليدية الذي أشرنا اليها في الجزء الثالث من هذا المقال.

وغالباً ما يسبق فعل الابتزاز الالكتروني أفعال لجرائم أخرى كالاختراق الرقمي للأجهزة والأنظمة المرتبطة بالمستخدم أو الاحتيال الالكتروني للحصول على البيانات والمعلومات لاستخدامها في تهديد شخص الضحية لابتزازه بالمال أو بمنفعة مادية او معنوية، ويتصور حدوث ذلك في الحالات الآتية:

انتحال شخصية لجهة معينة سواء كانت حكومية أو خاصة لمؤسسة أو منظمة أو أشخاص عن طريق توجيه رسالة الالكترونية أو الإعلان عن طلب بعض البيانات والمعلومات الشخصية بإيهام شخص الضحية بفوزه بجائزة مالية ضخمة، وفي سبيل استكمال إجراءات تسليم الجائرة يتطلب منه استيفاء بعض البيانات والمعلومات الشخصية، أو تقمص دور بنك أو مؤسسة مصرفية معينة تتواصل مع عميلها تطلب منه تحديث بياناته ومعلوماته الشخصية وتوهمه أهمية ذلك للاستمرار بتلقيه الخدمة وغيرها من التسهيلات لتستخدم بعدها كأداة لابتزازه في المال أو أي منفعة مادية أو معنوية أو السطو على حسابه البنكي أو استخدامها لأغراض غير مشروعة أخرى.

توجيه اعلان للاستثمار في الأموال أو الأسهم أو العملات بإيهام صحة هذا الإعلان من خلال ادراج معلومات أو اخبار كاذبة مثلاً اختيار شخصية مشهورة على انها استثمرت في هذا المجال وربحت الكثير من الأموال وغيرها من الطرق لتكون مصيدة باستغلال شخص الضحية وابتزازه في ماله أو استخدام البيانات والمعلومات الشخصية التي يقدمه لأغراض غير مشروعة.

وجود مستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي ينتحلون أسماء وهمية قد تكون لفتاة أو رجل للإيقاع بالضحية للحصول على البيانات والمعلومات والصور والفيديوهات الخاصة -التي تكون في اغلبها خادشه للحياء-بطرق الاغواء العاطفية، لتكون أداة لتهديد شخص الضحية للحصول على المال أو منفعة جنسية منه.

استخدام البرامج المحركة للصور كـ (Animator) أو البرامج المعدلة للصور الفوتوشوب (Photoshop) وغيرها من البرامج التي تكون وسيلة للتلاعب بالصور الشخصية لاستخدامها كأداة ابتزاز الضحية إلكترونياً.

ذلك جعل من الفضاء الالكتروني مصائد للضحايا من قبل العصابات والأشخاص الذين يتخذونه مكاناً هادئاً لتنفيذ غاياتهم في الكسب غير المشروع عن طريق السرقة والتهديد استغلالا للمكنات الالكترونية السهلة والمتاحة للجميع، فأصبح الأمر أكثر شيوعاً على كافة المواقع والمنصات الالكترونية التي يقع في شباكها الكثير من المراهقين من الرجال والنساء، وخاصة صغار السن منهم للإيقاع بهم لغرض ابتزازهم في المال والجنس، مما خلق واقعا مريرا للمجتمعات الانسانية نتيجة هذه الطفرة التكنولوجية الهائلة التي أصبحت شرا لا بد منه، فكان الأمر ملحا بالسعي إلى إيجاد الحلول التقنية والاجتماعية والقانونية الناجعة للتصدي لهذا الواقع المرير على الصعيدين العالمي والمحلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى