أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الاتجار بالمـشاعـر الإنـسانـية !!..

رحمـة بنت مبارك السـلـمانـية

 

الاتجار بالمـشاعـر الإنـسانـية !!..

 

لقد كان المال أحد أقوى أسباب الصراع والنزاع بين بني البشر منذ الأزل ولازال، وفي زمن لم يعد يقم فيه فئة من الناس وزناً للصدق والحقيقة أو أي اعتبارات للسمعة والشرف والأمانة أو أية أهمية للمشاعر الإنسانية، فلم تعد تلك الفئة من الناس تهتم بتحري الكسب الحلال بقدر اهتمامها بكسب المال فقط، وجنى الأرباح حتى وإن خسروا ضمائرهم وإنسانيتهم، فأصبحوا يلهثون من أجل الحصول على المادة بأية طريقة وبكل الأساليب، لذلك فإن بعض بني البشر اليوم يتاجرون في كل شيء، حلال كان أم حرام مسموح أم ممنوع ولم يتوقفوا عند حد معين، فظهر الاتجار بمشاعر الإنسانية في أبشع صوره، من خلال استغلال نقاط الضعف لدى أصحاب القلوب الطيبة النقية.

إن العمليات التجارية الاحتيالية في العصر الراهن أصبحت منظمة وممنهجة وأكثر احترافية من ذي قبل، فهي تدار من قبل قيادات ومنظمات ومؤسسات دولية تضم آلاف الموظفين، فهناك حسابات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تدعي تبنيها الأعمال الخيرية وجمع التبرعات، وهي في الواقع حسابات وهمية بعضها داخلية (محلية) وبعضها الآخر خارجية (دولية) ، فعلى سبيل المثال لا الحصر توجد العديد من الحسابات التجارية عبر تطبيقات الواتساب والإنستجرام هدفها الإيقاع بالضحايا بغرض الاحتيال والنصب عليهم أو التسوّل منهم بطرق احتيالية والحصول على أموالهم دون وجه حق.

في الواقع إن عمليات الاحتيال أصبحت كشبكة أو خلية تضم مجموعة من العناصر والأعضاء، الذين يعملون في جهات ومواقع مختلفة وبطرق متنوعة ومتباينة من أجل الهدف ذاته، فبعض هذه الحسابات التجارية ترسل رسائل للمستهدفين توهمهم بأنهم متطوعون يعملون لصالح مؤسسة خيرية تطوعية، أهدافها تتمثل في بناء المساجد وحفر الآبار لتوفير مياه الشرب للدول الفقيرة، أو أنها منظمات تسعى من أجل مساعدة الفقراء والمعوزين حول العالم من خلال توفير الغذاء والكساء والدواء لهم، وجمع الزكاة والصدقات لتوزيعها على مستحقيها، وأن مساهمة مالية صغيرة ستمثل فارقاً بالنسبة لهم، وستساهم في التخفيف من معاناة بعض المحتاجين، وستكون سبباً في حصول الأجر العظيم للمساهمين المبادرين، لتنطلي الحيلة على أعداد كثيرة من الخيرين الذين يحبون فعل الخيرات.

ولكن الأدهى من ذلك حين تكون تلك الحسابات التجارية تتبنى مجموعة من النساء والأطفال، من خلال توظيفهم للإيقاع بالضحايا في الفخ، عن طريق إرسال مقاطع مصورة لأطفال مرضى وهم في غرف العناية المركزّة ووسط الأنابيب والأجهزة الطبية، وأطفال بعاهات مرضية وتشوهات خلقية مختلفة، أو إرسال مقاطع صوتية لنساء يطلبن مساعدتهن في دفع بعض تكاليف علاج أطفالهم المصابين بأمراض مستعصية تهدد حياتهم، من خلال كل تلك الحيل وغيرها الكثير ينصبون فخاخهم؛ ليثيروا مشاعر الإنسانية ويتسولوا الشفقة ويستجدوا رأفة ورحمة الناس بهم، ليتحول أصحاب القلوب الطيبة إلى سُذّج.

لقد أصبح أولئك المحتالون بارعون في إيجاد وابتكار طرق جديدة للاحتيال والنصب والتسول، كمحاولة للإيقاع بعدد أكبر من الضحايا الذين يحسنون الظن في الغالب، في حين ينظر لهم الآخرين كمغفلين ساذجين تقودهم المشاعر والضمائر وليست العقول، كما يبدو أن أولئك المحتالون في بحث دائم وعمل دؤوب في سبيل تطوير وتحسين عملياتهم الاحتيالية، فهم يضعون الخطط ويعدون الوسائل ويبتكرون الأدوات الاقتناص الفرص السانحة، يقودهم إلى ذلك طمعهم وجشعهم لتحقيق أسمى غاياتهم وللحصول على أعلى قدر من النتائج، وأكبر حصيلة من المكاسب سواء كانت مالية أو عينية أو غيرها.

في ظل توسع وازدياد عمليات النصب والاحتيال التي تسود العالم والتي باتت تتنامى يوماً بعد يوم والتي أضحت تواكب التطور الرقمي وتسايره، ينبغي على الجميع التأكد من مصداقية وواقعية الحسابات والتطبيقات التي يتعاملون معها في حياتهم اليومية، والتمعن والتيقن من حقيقتها قبل كل شيء، فليس من الصحة في شيء أن يهب عاقل  إلى التبرع ولو بالقليل دون التأكد من صحة بعض الحسابات الخاصة بجهات وهيئات التبرع، هل هي رسمية حقيقية أم وهمية، حيث انتشرت وظهرت مؤخراً الكثير من الحسابات الداعية للتبرع لإعانة المتضررين والمعوزين في بعض الدول الشقيقة والصديقة، والكثير منها يخلو من المصداقية للأسف، وذهبت التبرعات لجهات وهمية خاصة أو شخصية، وقد تم من خلالها بالفعل استغلال بعض القلوب الرحيمة التي بادرت إلى التبرع بحسن نية، وبذلت الغالي والنفيس رحمةً ورأفةً بالروح الانسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى