أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الاختصاصي الاجتماعي !!..

 عـبـدالله الفـارسي

 

الاختصاصي الاجتماعي !!..

 

ومضـة أمـل :

(وصلني خبر بأن إدارة العمل بجنوب الشرقية عرضت منذ أيام “وظيفة سائق” تقدم إليها أكثر من1800 متقدم .

تم فرزهم حسب الشروط الصارمة المحددة للوظيفة الى 220 متقدماً والمطلوب واحد فقط  ..!!!

معظم المتقدمين من حملة الدبلوم العالي وبعضهم جامعيّين ولله الحمد)..

هذا نموذج من الأخبار المبهجة التي تفتح شهيتنا للحياة وتمنحنا إصراراً ورغبة في البقاء ..!!!

******

ذات نهار مشمس استدعاني الاختصاصي الاجتماعي المدرسي ..

انطلقت إلى المدرسة .. دلفت من بوابتها السوداء المزعجة .. سألت نفسي : لماذا دائما  هذا اللون النشاز يتقدم منارات العلم لدينا .. لماذا يقدس هؤلاء البشر السواد ويباركون العتمة ؟؟

تركت الجواب لشطحاتي المتراكمة .. وأوهامي المتكدسة !!

أين مكتب الاخصائي الاجتماعي .. سألت أحدهم ؟؟..

الباب الثاني على يمينك مباشرة.. “أحدهم واصفا ومُشيرا بسبابته الطويلة ذات ظفرٍ نسي أن يقصه منذ أمد ليس بقصير”..

وقفتُ أمام باب مكتب أخصائي المدرسة حسب اللوحة الإرشادية المثبتة على الجدار بكل قوة .. وصلابة ..!

قرعت الباب مستأذنا ..

سلّمت عليه ،

كان زميل سابق .. ومعرفة قديمة .

رحب بي بعناق زائف .. وأهداني ابتسامات مألوفة .. مُعلبة وجاهزة للاستهلاك اليومي وللتوزيع المجاني ..

نظر إليَّ بحياء .. ورفق .. وقال : أعتذر كثيراً على دعوتك هنا .. ولكنك رجل ” تربوي” وتعرف آليات وحيثيات عملي واختصاصي..

قلت له : تفضل .. وقل ما عندك بكل ارتياح .. وشهوة .. وكلي آذان صاغية لك !!..

قال : ولديك  على غير عوائدهما .. لقد بدأت تظهر عليهما أعراض العناد .. والرفض .. والاحتجاج .. وأحيانا يصل الأمر إلى العصيان ..

اندهشت من كلامه .. فلاحظ دهشتي وأُغرم بها لدرجة الثمالة .. معتقدا بأنه حقنني بحقنة مزعجة .. أو صعقني بصعقة كهربائية صادمة .. قاتلة!!

لك ما تريد أستاذي .. لا تكترث بهذه الأعراض السريعة ..

سأخفيها بكل سهولة .. وغلظة “قلت له بكل بهجة”

ثم ودعته وهو في نشوتهِ الصغرى..

وخرجت من عنده حاملا نشوتي الكبرى..

الحمد لله .. الآن أطمئن قلبي .. فقد تأكدتُ بأن أولادي قد بدأوا يكتشفوا الحياة .. واخذوا يفهمون حقيقة الواقع .. وانني اعرفهم جيدا بأنهم لن يعترضوا إلإ على الخطأ ولن يتعنتوا إلا على الاعوجاج والزلل..

حين يبدأ الاعتراض والعناد يبدأ الاكتشاف وينبت الوعي..

مجتمعاتنا العربية لا يمكن أن تعيش فيها محترما .. مُصانا .. دون التزود بالعناد والعصيان .. والتمرد ..!!

******

خرجت من بوابة المدرسة السوداء المُقرفة وأنا مُبتهج .. أردد :

وأخيراً أدرك أبنائي حقيقة واقعهم الذي ينتمون إليه  ..!!

وحين التقيتهم في البيت وقفت فيهم خطيبا : شكرا أبنائي  لقد عرفتم الطريق  فالزموه..  وعُضُّو عليه بالنواجذ..

كونوا عصاةً ضد الخطأ .. متمردين على العَوَج .. التزموا العناد ضد التهريج .. الرفض أمام التهميش .. وستعيشون بكفاءة وهناء .. وستملكون فضيلةً وشرفاً ، وستموتون بطهارة وبياض !!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى