أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الاستبداد الفكري العِلة المُزمنة !!..

الكاتـب/ حـمـد النـاصري

 

الاستبداد الفكري العِلة المُزمنة !!..

 

لا مناصّ مِن الوقوف أمام فكرة الاستبداد ، تفصيلاً وتمحيصاً ، والتفكّر في شأنها والتدبّر في تفاصيلها و ملامحها ، فاسْتبداد الإنْسان وتمسّكه اللّاعَقْلاني بموقفه حتى عندما يتأكّد مِن عدم صواب ذلكَ الموقف .. إنّهُ عِلّة مُزمنة للبشريّة والحياة .؛ فالنَهضة البشرية تقوم على صَواب التَعايش وقبول الآخر وتبادل الآراء والافْكار بحريّة وتَقَبُّل ، ولكنّنا على العَكْس تماماً نرى البَعض يُكْثِر براهِيْنه ويُحاجِج ويُجادِل في نُقطة ما أو مَوقف مُعَيّن ، ليسَ لأنّه يُسانِد الحقوق أو يُنْشِد الحقّيقة بلْ فقط لِيُثْبِت أنّ تَوجّهه صحيح وأنّ الآخر خطأ .!! مُسْتبداً في عَرض آرائهِ مُتشدّداً في رَفْض الآخر .. ومِثْل أولئكَ الناس يكون جِداله عَقِيماً ونِقاشه عديم الجَدْوى . وذلكَ ما أطْلِق عليه الاسْتبداد المُزمِن فهو مَكْمَن العِلّة التَعايشيّة بينَ الناس وتَشْبيهي له بالمُزْمِن لأنّه فِعْلًا مَرض مُزمِن صَعْب أنْ يَشْفِى مِنه المصابُون به!.

وهناكَ أسْباب كثيرة لتلكَ الظاهِرَة .. مِنْها هشاشَة قِيَم التَعايُش وضَعْف الرّغْبَة في قبول الآخَر ، بِمُختَلف صُور التَعايُشات ، أو عدم قُدرة البَعض على فَهْم الآخر أو حتى ترسِيْخ فِكْر جمْعي مَدعوم بوعْي التقارب ، بأسْلوب ديموقراطي رَصِيْن وهادئ  ، نَضْمَن فيه حقّنا بطرح آرائنا مع وجود الآخر دونَ أنْ نَتخوّف منه أو نَنْفُر مِن رأيه .. ونُرسّخ التحوّلات الثقافية المُتسارعة لِتَطويعها بممارسة ديموقراطية حقيقية ونَبدأ بتقبّل التَغْيِير الإيْجابي مَهما كانَت مُصادره لا يُخشى مِن جدليّتها أو حتى تناقُضاتها أحيانا.؛

فالشُعوب لا تَنْضَج ثقافياً بسجالاتٍ يكون فيها رابِح وخاسِر أو فَهْم تحاوُرِي أحادِي النّظرة ، ولا يجب أنْ نَهابَ الأفْكار المُتجدّدة أو الجديدة ، شَريطة تَحديد أُطُرها، سَلبياتها وإيجابياتها وإخْضاعها لِلْمُراجعات المَنْطقيّة ، مُبْتَعدِين عَن الافْكار المُسْبَقة البَعِيدة والتي يكون ضَررها بالغِ في التَأثِير المُباشر على حياة الشُعوب وتعارفها مع غيرها مِن الشُعوب يقول الله سُبحانه في مُحْكَم كتابه الكريم  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات (13). فَهَيْمَنة القُوى الأكْبَر على الأخرى الأصْغَر بمنطق التَفوّق المادي البَحْت ، هو أمْرٌ مرفوض ولا يَختلف عليه إثْنان ، وهو يَعني السَيطرة على عَقْل ومُقدّرات الجانِب الأضْعف حَجْماً ومادّة، وقد يكون أقْوى مَنْطِقاً وحِكْمَة ، واسْتخدام القُوى الكُبْرى لِمَنْطق إخافَة شُعوبها ، أقصد الشُعوب الأُخْرى الأقلّ حجماً ومادةً وتجريم الافْكار المُخالفة لِفِكْرها وترهِيْب حياة الآخرين وتدمِيرها ، كُلّ ذلكَ في حقيقته اسْتبداد فِكْري وسِيَاسِي ، مِن خلال فَرض مَصْلَحة فرديّة ومُعْتَقد خاص بالقُوة والجبَروت  على حساب قُوةٍ أصْغَر حَجْماً ضِمْن إقْلِيم مًعيّن أو في أيّ مكان في الأرض وتقوم تلك القُوّة الكُبْرى بذلكَ بِمَنْع التعايُشات بَينها وفرض العَداوة بَينها وبين دُول أُخْرى في المَنظومة وبينَ شُعوبها ظناً أنّها سَتتمكّن يوماً مِن تَطْويع تلكَ الشُعوب وضَمّها إلى مَدارها الفِكْري بِشَكْل مُطْلَق وفي نفس الوقت حِرْمان تلكَ الشُعوب مِن التَفْكِير بمصالحها وفْق مَنْهَج مُسْتقل ومُناسِب لبيئتها ووجودها، فاسْتقلالية التَفْكِير هي مُحرّك العَقْل وهيَ القادرة على تأطِيْر التَغْيِير المَنشود وفْق مَشِيئة ورَغْبَة مُسْتقلّتين وبلا ضُغوط أو آراء مَفروضة مِن الخارج ، وحقيقة الاسْتبداد السّياسِي أنّ القُوى الكُبْرى تقوم بِعَزْل القُوى الأصْغَر وتَطْويقها قَبْل اجْتياحها مادياً وفِكْرياً وهيَ مِن أساليب وطُرق الحيوانات المُفْتَرسة في التَعامُل مع فرائِسَها .!! وذلكَ هو مَبْدأ أثْبَت فَشَله في تَغْيِير الطبيعة البشريّة أو تطويع الشُعوب وبالأخصّ الشُعوب الأَصِيْلة ذاتَ الجُذور العَمِيقة تأريخياً وحضاريًا.!

ما أعْتَقِدهُ ، أنّ الطريقة الصَحيحة والتي يُفْتَرض أنْ تَتعامَل بهِ الأُمَم على اخْتلاف مَشاربها ، هو أنْ  تَتشارك بمبدأ التعايُش وتَتقاسَم المنافِع والمصالح مِن مَبدأ أنّ الجميع يَرْبَح ولا خاسِرَ بَينها ذلكَ مِن أجْل تَكْوِين عِلاقات ثابِتَة تَحْمِي مُقدّراتها جميعاً بلا مُفاضَلة بَين واحِدَة عَن الأُخْرى أو تَعْزِل أيّ جِهَة عَن البقيّة واسْتعدائها ، فإقْصاء أيّ طرَف سَيُؤدي إلى شَتاتٍ مُؤثّر وشَرخ دائِم وقد يَتّسِع خرْق الأزمات ولا نَجِد إصْلاحاً للرَتْق ، كما تعلمنا من دروس التاريخ. واليومَ نجد مثله كثيراً ، فقد اتّسَع خرْقَ الإقتصاد وضاقَ بكثير مِنّا اجتماعياً ، وتصاعدَ الخوف وصارَ بيننا رتْقاً كبيراً ، وعلى أولئك الذينَ يُسيّرون عالمنا بقوة اقتصادهم أنْ يشتغلونَ على الاتّجاه الصحيح وعلى الجَمْع باهتمام كبير وبمسؤوليّة عالية.

والحقيقة كأنّنا نَزرع أحْقاداً بأيْدِينا في جَسَد مُحِيطنا لِتَحْصد الاجْيال اللّاحِقَة أهْواله ومَصائِبه .. فإذا ما أردْنا الإبْقاء على التعايُشات الجَمْعيّة وتجديد التوافُق وضَمان السَلام لأجْيال سَتأتي ، فَلِزاماً علينا جميعاً بَذْل المزيد مِن المُراجعات وقد نَحتاج إلى بعض القرارات المُؤلمة لكنّها ناجِعَة لحلّ قضايا وخِلافات لا نَرغب أنْ يَرثها احْفادنا.؛

فكلّما تفحَصّنا احْداث التاريخ ومَحّصْنا تفاصِيْلها وحَلّلْنا اسْباب النزاعات والحروب السابِقَة ، نَجِد أنّ أغْلَبها حَدثَت بسبب خلافات ايْديولوجيّة بَسِيطة تفاقَمَت لِتَصِل إلى العَداوات ورَفْض الآخر أو طمَعاً في ما يَمْلُكه ذلكَ الطرَف واسْتِسْهال الحصُول عليه بالقُوّة لابْتِلاع تلكَ المُقدّرات ، سَواءً أكانَت ثَروات ماديّة أو بشريّة أو حتى جُغرافية ..!

إذاً فالاسْتقلال الفِكْرِي مَطْلَب لِكُلّ ذيْ أُنْفةٍ وعِزّة نفس فالتعايُش يَعْني قبول الآخر ، وهُو الشَرط المُسْبَق لِكُلّ حِوار ..  وأمّا النَظْرة السلبيّة تَبْقى نقطة ضَعْف الانْسان بِنَظرته لِسَلبيّاته على أنّها وجْه حقٌ مِن حُقوقه في غالِب التوجّهات ، سياسيّة أو دينيّة أو فكريّة وبنفس الوقْت عليه أنْ يَنْظُر إلى افْكار الغَيْر على أنّها غير سَلْبيّة وغير مُضِرّة مهما بدا مِن اختلاف.؛

وتلك مُسَبّبات وعُيوب النَظرة السلبيّة للآخر ، فقد تقوده تلك النَظْرة السلبيّة إلى هلاكِه وقد تَقوده إلى  إفْسَادِه ، ظاهرَها مَنْطِق حُرّ وباطِنُها اسْتبداد فِكْري وتَقْيِيد فِكْر الآخر.

ومِن هُنا نقول أنّ التعايُش أمرٌ حتميّ لا مَفرّ منه بَرْهَنته كُلّ مَراحِل التاريخ قديمهُ وحديثه إلى حاضِر اليَوم ، سواءً أكانَ ذلكَ على مُسْتوى محلّي أو إقْلِيمي أو عالمي . فما نَشْهَدهُ حالياً مِن الاسْتبدادات السياسيّة نَجِد أكثرها إسْتبداداً القَوي على الضَعِيف ، وبأيْدينا إغْلاق كُلّ النوافِذ التي تأتِي مِنْها رِيْح الاسْتبداد بالعَقْل والمَنْطِق والحِكْمة وإخْماد سوئها مِن حياة بشريّتنا .. فالقُوة الماديّة تَزول ويَبْقى الفِكْر .. ذلكَ ما تَعلّمناهُ مِن التاريخ ..؛ فالذي يَبْنِي  ليسَ كالذي يَهْدم..؛ فالذي يَبني يصفّ طُوبه بالتزام وتَمْكِين أمّا الذي يَهدم فهو يُدمّر حضارته ويُخرّب تاريخهُ بِيَدِه .!

رسالَتِي كعُماني مُؤمن بِقيَم التعايُش والسَلام إلى كُلّ دُول العالم، أنْ نتقبّلَ بَعضَنا ليعيش أبْناؤنا واحْفادنا بسَلام .. فإنْ لَم نَفْعَل، فَلَسْنا وحْدنا مَن سَيتحمّل العواقِب بلْ أجْيال قادمة لا ذنْبَ لها .

نعم نقول لقد آنَ الأوان لِلتّغْيير الجَمْعِي .. ولا مجال للاستبداد بآرائِنا الفردية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى