أصداء وآراء

الاستـراتيـجية الإسـرائيـلية الجديـدة..

 

الصحفي والباحث/ محمود موسى مصطفى

 

 

 

الاستـراتيـجية الإسـرائيـلية الجديـدة..

 

تتّبع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن سياسة التهدئة والأخذ والرد وكسب الوقت بالتعامل مع ملف البرنامج النووي الإيراني، لتعطي الوقت الكافي لإسرائيل لترميم وتطوير بنيتها العسكرية.

فقبل وصول الرئيس بايدن لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية شهدت المنطقة العربية وخاصة دول الخليج العربي حالة من التوتر بعد الحشود العسكرية المكثفة كادت أن تشتعل حرباً بين محور المقاومة وعلى رأسه إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وإسرائيل من جهة أخرى، وعاشت إسرائيل أيام صعبة وحالة من الرعب والخوف لا مثيل لهما تحسباً لأي هجوم إيراني مباغت أو هجوم من أحد أطراف محور المقاومة، على خلفية اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده بالقرب من طهران، وسبقه اغتيال اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد الدولي على أثر تخطيط مسبق وتنفيذ هجوم أمريكي ـ إسرائيلي على الموكب أثناء خروجه من المطار، وهناك قلق داخل الإسرائيلي أيضاً بسبب ضعف وخلل في البنية العسكرية الإسرائيلية وخاصة في مجال الدفاعات الجوية، مما قد يسمح لصواريخ محور المقاومة اختراق الأجواء الإسرائيلية وإصابة أهدافها المحددة وبدقة عالية وتدميرها، ولذلك أرسل الجيش الإسرائيلي على الفور غواصة دولفين إلى مياه الخليج العربي كنوع من الحالة الاحترازية في حال قامت إيران بأي هجوم مدمر على إسرائيل وأزلتها عن الخارطة كما يهدد أصحاب القرار في إيران، سيكون بمقدرة الغواصة الإسرائيلية الرد بضربة مدمرة تستهدف البنية التحتية لإيران.

فعندما انفرد رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال أفيف كوخافي بتصريحه للإعلام والصحافة المحلية الإسرائيلية، حيث أمر الجيش الإسرائيلي بإعداد خطة جديدة تحسباً لأي حرب في الشرق الأوسط أو مع إيران، جاءت هذه التصريحات نتيجة ما يعانيه الجيش الإسرائيلي من ضعف في البنية العسكرية وعدم القدرة الكافية على صد أي هجوم خارجي على البلاد من خلال الصورايخ المتطورة فائقة السرعة والدقة والتي تمتلكها إيران ومحور المقاومة.

في البداية لاقت تصريحات الجنرال كوخافي كثيراً من الاستهجان والانتقادات من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، ومن بعض السياسيين باعتبار ما قاله الجنرال كوخافي يجب أن يكون ضمن نطاق السرية وبالغرف المغلقة هذا من الناحية العسكرية، ومن الناحية السياسية تجاوز الجنرال كوخافي الأعراف الدبلوماسية في السياسة الخارجية الإسرائيلية، وخاصة قبل اتخاذ إدارة الرئيس بايدن الجديدة قرارها في التعامل مع ملف البرنامج النووي الإيراني، وكما يبدو بأن الجنرال كوخافي لم يصرح من محض إرادته بل كان هناك من دفعه لذلك وله أهدافه، لتوجيه مجموعة رسائل إلى الداخل الإسرائيلي ولإدارة الرئيس بايدن الجديدة، فالجنرال كوخافي كان يهيئ الجبهة الداخلية في إسرائيل للاستعداد للحرب والاعتماد على الذات، وأن إسرائيل قادرة على مواجهة الأخطار المحدقة بها مستقبلاً، ويجب عدم التعويل كثيراً على الولايات المتحدة كحليف قوي لإسرائيل كما كانت سابقاً، فالثقة المطلقة بين البلدين الحليفين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تعرضت لعدة صدمات منها في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب عندما أمر بسحب قواته من الأراضي السورية التي احتلها الجيش الأمريكي على أثر اندلاع الأزمة السورية في منتصف آذار عام 2011م، وتخلى فيها الرئيس ترامب عن دعم المليشيات الكردية الموالية لهم دون الرجوع لتل أبيب ومشاورتها بما ينوي فعله، ثم تراجع الرئيس ترامب فيما بعد عن قراره بالانسحاب بسبب الضغوط التي تعرض لها من إدارته وغيرها.

والصدمة التي قبلها كانت من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عندما توصلت لإبرام الاتفاق النووي الإيراني والتوقيع عليه، وكان الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية جو بايدن نائباً للرئيس أوباما في تلك الفترة، لذلك يعبر بعض السياسيين الإسرائيليين عن شعورهم بالاستياء وعدم الارتياح والرضى من تصرفات سادة البيت الأبيض.

وأول عملية عرض عضلات لإدارة الرئيس جو بايدن كانت بتوجيه ضربة أمريكية على منطقة البوكمال السورية في محاولة لإعادة ثقة إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية وذلك بعد مكالمة أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس بايدن يحذر فيها من اتخاذ قرار عسكري أحادي تجاه إيران.

بدأت إسرائيل استراتيجيتها العسكرية الجديدة في العام الحالي بعد مصادقة مجلس الوزراء الإسرائيلي على الخطة الأضخم لتسليح الجيش وتبلغ قيمتها (6) مليار دولار أمريكي، وتشمل شراء طائرات حربية مقاتلة، ومروحيات، وطائرات نقل للعتاد الثقيل، وطائرات تزويد بالوقود جواً، بالإضافة لأسلحة ومعدات عسكرية متنوعة، كل هذا التكتيك العسكري المتطور سيدعم المقاتلات الإسرائيلية للوصول إلى أهداف بعيدة المدى تتجاوز مسافة آلاف الكيلو مترات وتكون بذلك قادرة على الإجهاز عليها وتدميرها، وهذا ما أشار له وزير الدفاع الإسرائيلي بني غينتس لوكالة فوكس نيوز الإخبارية الأمريكية “أن الجيش الاسرائيلي يواصل تحديث مخططاته لمهاجمة إيران عسكرياً، وتم رصد أهداف كثيرة في داخل إيران ستمس بقدرتها على تطوير قنبلة نووية”.

ومن أجل تحصين الجبهة الداخلية الإسرائيلية وأمن البلاد جرت مناورات في داخل المدن الكبرى بإسرائيل، وسبقتها مناورات عسكرية خلال شهر آذار من هذا العام تم فيها اختبار صواريخ معترضة حديثة ومتطورة، وتلتها مناورات عسكرية برية على جبهتي الجولان المحتل وجنوب لبنان شاركت فيها كافة تشكيلات الجيش الإسرائيلي ولمدة ثلاث أسابيع وهي تحاكي سيناريوهات حرب حقيقية.

وتحاول تل أبيب استغلال عملية التطبيع مع دول الخليج العربي، لإنشاء تحالف أمني دفاعي مشترك لمواجهة تهديدات إيران لإسرائيل ودول الخليج العربي، وذلك من خلال إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية على أراضي الدول المطبعة معها، مما يسهل آلية التحرك والحركة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة ضد إيران ومحور المقاومة مستقبلاً.

قد تنفرد إسرائيل بمهاجمة محور المقاومة وعلى رأسه إيران من أجل إنهاء مشروع البرنامج النووي الإيراني، والذي يشكل خطراً عليها وعلى وجودها كما يروّج السياسيون الإسرائيليون بذلك، ومن المتوقع فشل محادثات البرنامج النووي الإيراني بين الأطراف المعنية، وهذا ما ترغب به إسرائيل وعندما تكتمل جاهزيتها القتالية بالأسلحة الثقيلة الحديثة، لن تتردد إسرائيل في مهاجمة إيران ومحور المقاومة بالكامل خلال الأشهر القادمة وذلك دون الرجوع لمشورة واشنطن أو طلب دعمها السياسي أو العسكري هذا ما لوح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء محادثته مع الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال الشهر الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى