أصداء وآراء

الباحثـون عـن عـمـل بيـن التوظـيـف الدائـم والعـقـود المـؤقـتة!!..

 

 

الإعـلامي/ محمـد بن خميـس الحسني
alhassani60536@gmail.com

 

 

“عـزف على وتـر مقطـوع

 

الباحثـون عـن عـمـل بيـن التوظـيـف الدائـم والعـقـود المـؤقـتة!!..

 

الجميع من القطاعين العام والخاص ينتظر قانوني الخدمة المدنية والعمل الجديدين، ونأمل أن يكون القانونان في صالح جميع الموظفين والعاملين في القطاعين، وكلنا نستبشر خيراً بهما .. إلا أن من بين ما لفت انتباهي هو تصريح أحد المسؤولين في وزارة العمل خلال المؤتمر الصحفي لاستعراض الخطة التنفيذية للوزارة 2021، عن دراسة أو مقترح أرجو أن لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

فحسب تصريحه أن الوزارة ما زالت تراجع الدراسة رغم ما يكتنفها من عدم وضوح من حيث تفاصيلها وآلية تطبيقها والهدف منها والنتائج المتوقعة منها، ألا وهي : (دراسة تحويل الوظائف من دائمة لعقود مؤقتة تجدد سنوياً ويتم تسجيلها في التأمينات الإجتماعية).

وقبل ذكر مساوئ هذه الدراسة، نريد أن نعرف هذه الخطوة فيما لو طبقت ما الهدف منها ؟

ولصالح من ستكون بالتحديد المواطن (الموظف والباحث عن عمل) أم لصالح الحكومة ؟

وهل الأخيرة حسبت حساب عدم تضرر الموظفين في حالة العمل بالدراسة أو التَّصَوُّر ؟

وحسب فهمنا للتصريح، هو أن يتم تحويل تلك العقود من دائمة إلى مؤقتة تجدد سنوياً إذا رغبت الجهة المتعاقدة في التجديد، وهذا سيكون للموظف والعامل من القوى العاملة الوطنية وليس الوافد.

وأتمنى أن يكون فهمي شخصياً خاطئاً لما ترمي إليه الدراسة، فالتجديد السنوي للعقود سيكون فيه تحكم من قبل الجهة التي يعمل بها ذلك الموظف أو الباحث عن عمل، أيّاً كانت تلك الجهة التي ستتعاقد معه حكومية أو خاصة، وأيّاً كانت طبيعة تلك الوظيفة التي سيعمل بها.

إن مثل هذه الخطوة فيما لو نُفِّذَت ستكون لها عواقب وخيمة لا تحمد عقباها، وسيكون لها أبعاد اقتصادية خطيرة، وآثار إجتماعية ونفسية سيئة وكبيرة على الفرد والمجتمع.
خاصة وكما ذكرت أن أمر التّحكم في تجديد العقد أو عدمه بيد الجهة المتعاقدة، وبالتالي التّحكم في لقمة العيش لذلك الموظف فيما لو قررت عدم التجديد له.

وهناك حالات سابقة تم تسريحها من العمل لأسباب منها إنتهاء العقود، وما ذلك عنا ببعيد كما حدث مؤخراً مع آلاف الأشخاص من القوى العاملة الوطنية الذين تم تسريحهم من وظائفهم في عدة شركات، وهذا سينطبق على الهيئات الحكومية إذا طبقت الدراسة، وستتحول الهيئات الحكومية بتطبيق هذا التصور أو المقترح من قطاع عام إلى قطاع خاص.

إن الموظف أو الباحث عن عمل بعقد غير دائم (مؤقت) لن يستطيع أن يُكَوِّن حياته الإجتماعية من زواج وتوفير مسكن وسيارة وغير ذلك، وسينتج عنه وضع خطير من عدم تحقّق الأمان الوظيفي وعدم الإستقرار الأسري والاجتماعي.

فالوظيفة بهذا التصور أو المقترح في مهب الريح غير مضمونة وغير مستقرة، وإن توفرت يمكن أن تكون لسنة أو سنتين أو أربع سنوات أو عدد من السنين، ويمكن أن يسرح من الوظيفة في أي وقت، ثم يبدأ في رحلة جديدة شاقة في البحث عن وظيفة في مكان آخر، وسيبقى في دوامة لا تنتهي، وسيستمر بالدوران في حلقة مفرغة والعودة لأصل المشكلة (باحث عن عمل)، بسبب أن التوظيف محكوم بعقد مؤقت، وسيعيش حياة مضطربة لن يستطيع فيها تحقيق مستقبله وتكوين أسرة، بل لن يتمكن من مساعدة والديه والإنفاق عليهما إن لم يكن لهما غيره، حتى أنه لن يستطيع الحصول على قرض لبناء منزل يُؤوي فيه أسرته، أو شراء سيارة يستطيع بها الوصول إلى العمل، أو يستخدمها في قضاء حاجاته وعائلته، أو يستثمرها في البحث عن وظيفة جديدة إذا ما أنهي عقده في جهة ما.

إن تطبيق نظام العقد المؤقت سيخلق أيضاً مشاكل إجتماعية كبيرة كالسرقة، والاحتيال، والعنف وغيرها، وسيوجد جيلاً ناقماً على مجتمعه كارهاً لكل من حوله، جيلاً منزوع الوطنية، عديم الولاء، فاقد الشعور بالانتماء، وسيكون فريسة سهلة للأفكار الهدامة والتخريبية.

إن هذه الدراسة التي تعكف وزارة العمل على دراسة إمكانية تطبيقها لن تحل مشكلة الباحثين عن عمل، بل ستزيد الطّين بِلَّة، وستعود بالمشكلة إلى نقطة البداية، بل يمكن أن تتفاقم وتزداد تعقيدا خاصة مع مرور الوقت دون حلها جذرياً.

حقيقة إنني في ذهول واستغراب شديدين مما أسمع وأقرأ وأرى مثل هذه الدراسات التي لا تراعي المصالح المجتمعية، ولا تأخذ واقع المجتمع بأهمية، وبعين الاعتبار.

على أولئك الذين يضعون هكذا دراسات ومقترحات أن يدركوا أن مصلحة الوطن -التي هي الأسمى وفوق أي مصلحة- ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة العامة للمواطنين عبر توفير العيش الكريم، والأمن، والاستقرار الاجتماعي، والرخاء الاقتصادي.

والمواطن ليس مختبر تجارب تجرى فيه الدراسات ثم ننتظر النتائج، وما ستسفر عنه تلك التجارب من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة.

أتوقع رد ذلك المسؤول هنا بالقول سنضع ضوابط وقوانين وأنظمة تضمن عدم انقطاع تلك العقود إلا لأسباب قوية .. ولنفترض أن ذلك صحيحاً، إذن ما الداعي لها من الأساس، طالما أنا الوظيفة قابلة للإنقطاع والعقود قابلة لعدم التجديد ؟؟!!

وما أكثر الأسباب ، وما أسهل التحايل في مثل هذه الأمور.

الحكومة تطالب بعدم التسريح وتعمل للحيلولة من حدوث ذلك، ومع هذا هناك العديد من المُسَرَّحين، وبهذه الدراسة إن طبقت ستزداد أعداد المسرحين لما لها من نتائج سلبية جداً وعواقب وخيمة على الأفراد والمجتمع كما ذكرنا.

إن الأنظمة والقوانين والدراسات ينبغي أن تكون في خدمة المواطن وتضمن له العيش الكريم، وتحقق له الإستقرار الأسري والاجتماعي وتصب في مصلحته في المقام الأول، وهذه هي سياسة مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- التي يؤكد عليها جلالته في خطاباته وقراراته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى